تعطيل مفوضية حقوق الإنسان بالعراق: قضية سياسية قد تؤثر على الحريات
لم تتمكن الحكومة العراقية من إيجاد تسوية سياسية لحل الخلافات المستمرة بين الأحزاب داخل البرلمان بشأن استئناف عمل المفوضية العليا لحقوق الإنسان، التي تعطلت منذ أربع سنوات، وعلى الرغم من الجهود المتواصلة من منظمات المجتمع المدني والمطالبات العديدة بضرورة استقلال الهيئة، فإن الكيانات السياسية ما زالت ترفض التخلي عن سيطرتها على المفوضية، مما عطل عملية اختيار الأعضاء الجدد لمجلس الأمناء بعد انتهاء ولايته في يوليو 2021.
وجاء في تقرير لموقع العربي الجديد وتابعته "المطلع"، أنه:"أدى تعطيل عمل مفوضية حقوق الإنسان، إلى خلو تام لمؤسسة مستقلة تراقب الملفات والقضايا الإنسانية، ليفقد العراق بذلك تصنيفه العالمي في مجلس مؤسسات حقوق الإنسان العالمية، ما جعله ممنوعاً من المشاركة في مراقبة قضايا حقوق الإنسان في العالم، مع فقدانه القدرة على كتابة التقارير المهمة إلى مفوضية حقوق الانسان الدولية من خلال المفوضية العراقية المعطلة".
ويعود أساس المشكلة إلى القوى السياسية العراقية التي لا تريد للمفوضية أن تستأنف عملها واختيار تشكيلة أعضاء مجلس المفوضية والبالغ عددهم "11" عضواً ورئيساً للمفوضية.
وترتب على هذا توقف عمل مفوضية حقوق الإنسان العراقية التي تضم إلى جانب مجلس الأمناء فيها، أكثر من "500" عضو رصد في عموم مكاتبها بالمحافظات العراقية، كما أن عدم قيام البرلمان ورئاسة الجمهورية بإصدار قرار انفكاك المجلس الحالي للمفوضية، للعودة إلى وظائفهم السابقة، جعلهم عالقين.
وتعد مفوضية حقوق الإنسان في العراق، إحدى الهيئات المستقلة التي تأسست في عام 2008، وترتبط عملياً بالبرلمان، مثل الهيئات المستقلة الأخرى، على غرار هيئة الإعلام والاتصالات ومفوضية الانتخابات وهيئة النزاهة، وتتولى مهمة رصد الانتهاكات الحقوقية في البلاد، وتلقي الشكاوى والتحقيق فيها، ورفع الدعاوى القضائية ضد المتورطين بجرائم العنف المختلفة، ومراقبة عمل السجون ومراكز الإصلاح، وأداء عمل المؤسسات الأمنية والعسكرية في الجانب الحقوقي.
ولكنها واجهت خلال العامَين الأخيرَين قبل انتهاء عملها، اتهامات عديدة تتعلق بالتقصير في رصد الانتهاكات، خصوصاً عقب تفجر الاحتجاجات الشعبية في البلاد (أكتوبر/تشرين الأول 2019).
وسبق أن طالبت منظمات المجتمع المدني في البلاد، وأعضاء في مجلس النواب من ضمنهم العضو المستقل حميد الشبلاوي، بإنهاء أزمة عدم وجود مفوضية حقوق إنسان في العراق.
ووجه الشبلاوي خطاباً إلى رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد، ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني، للتدخل ومنع التدخلات السياسية في اختيار مفوضية حقوق الإنسان العراقية الجديدة، وقال إن:"المفوضية انتهى عملها في عام 2020 وتسبّب ذلك بأزمة دولية على اعتبار أن العراق فقد التمثيل بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ومجلس حقوق الإنسان للدول العربية".
وأشار إلى:"غياب مفوضية حقوق الإنسان العراقية عن الانتهاكات الحقوقية في البلاد، وأن القوى السياسية تتدخل اليوم بعمل مجلس النواب وتريد اختيار أعضاء مجلس المفوضين لحقوق الإنسان، وكأن المفوضية حزبية وغير مستقلة"، مطالباً، بالتدخل وحسم مفوضية حقوق الإنسان من دون تدخل حزبي وتكون مفوضية مستقلة غير متحزبة.
وفي السياق، قال عضو سابق في مفوضية حقوق الإنسان لـ"العربي الجديد"، إن:"عدم استئناف عمل المفوضية من جديد، متعمد من الأحزاب لسببين؛ الأول هو عدم اتفاق الأحزاب على التشكيلة الجديدة، خصوصاً مع ضغط منظمات المجتمع المدني للإبقاء عليها كما جاء في قانونها، وهو أن تبقى مستقلة بعيدة عن الأحزاب، والسبب الثاني هو معاقبة المفوضية جرّاء مواقفها المهمة في إسناد وتأييد حركات الاحتجاج وتحديداً تظاهرات أكتوبر/تشرين الأول 2019".
وأوضح أن:"وزارة العدل حالياً تعد هي الجهة التي أوكلت إليها مهمة إدارة المفوضية مؤقتاً مع العلم أن الوزارة غير قادرة على إدارتها بسبب الملفات الشائكة في قضايا حقوق الإنسان، بل إن وزير العدل خالد شواني طالب أكثر من مرة بحل أزمة المفوضية".
وفي أكثر من مناسبة، أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، حرص حكومته على تطبيق مبادئ حقوق الانسان ودعم الحريات، وذكر في بيان سابق أن:"حكومته تدعم منظمات المجتمع المدني وبرامج المنظمات الدولية الإنسانية العاملة في العراق، وتطبيق مبادئ حقوق الإنسان ودعم الحريات وتعويض الضحايا"، لكن رغم ذلك لم تتقدم الحكومة ولا خطوة واحدة في ملف مفوضية حقوق الإنسان.
ومن جهته، أشار عبدالمنعم وسام، وهو مسؤول ملف حقوق الإنسان في مركز الرشيد للتنمية، إلى أن:"غياب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق منذ يوليو 2021 ترك فراغاً رقابياً خطيراً في ميدان الدفاع عن حقوق الإنسان"، مؤكداً لـ"العربي الجديد"، أن، هذا الغياب لم يكن محض صدفة أو نتيجة خلل إداري، بل بات يُنظر إليه بوصفه عملية ممنهجة للعقاب السياسي تجاه المفوضية بسبب مواقفها التي ساندت حرية الرأي والتعبير وحق التظاهر السلمي، وواجهت علناً الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف في السلطة خلال وبعد الانتفاضة الشعبية في أكتوبر عام 2019.
وأكمل وسام أن:"غياب المفوضية تسبب في فقدان العراق لتمثيله في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمنظمات الدولية، ما أثر سلباً على قدرته في الدفاع عن حقوق الإنسان على الساحة الدولية".
وأضاف أن:"تأخر تشكيل مجلس مفوضين جديد يعود إلى الخلافات السياسية بين الأحزاب العراقية، إذ تسعى كل جهة إلى ضمان تمثيلها في المفوضية رغم أن لجنة الخبراء في مجلس النواب أكملت إجراءات استقبال المرشحين، إلا أن التصويت النهائي لم يجر بسبب عدم التوافق السياسي وهذا اخلال واضح وسافر باستقلالية المفوضية التي يجب أن تؤدي دوراً رقابياً وفق الدستور والقانون".
وأما الناشطة العراقية صفا الطيار، فقد بيَّنت أن، المفوضية كشفت عن انتهاكات تقوم بها فصائل مسلحة وجهات سياسية، لذلك أُضعفت استقلاليتها وأُبعدت وتعمدت الأحزاب تغييبها عبر تأخير التصويت على أعضاء جدد بعد انتهاء الدورة البرلمانية السابقة، كما أن قادة النظام السياسي عموماً، يريدون تحويل كل المنافذ المعنية بحقوق الإنسان إلى شكلية وغير مزعجة أو لديها دور حقيقي"، مستكملة حديثها مع "العربي الجديد"، أن النظام السياسي إلى مرحلة خطيرة، وصار يريد إسكات الجميع ولا يتلقى أي نقد سواء كان خارجياً أو داخلياً، ولهذا وجود المفوضية والمنظمات الأخرى على نحوٍ فاعل، ليس مهماً لإيجاد الحلول فحسب، وإنما لمنع الكوارث التي قد تحدث للناس.
كلمات مفتاحية
- الحكومة العراقية
- بغداد
- برلمان العراق
- تقارير عربية ودولية
- مفوضية حقوق الإنسان بالعراق
- القوى السياسية العراقية
- مجلس النواب العراقي
