الكراجات الوهمية في بغداد… أزمة مزمنة بين الفوضى والغياب القانوني
يعاني كثير من العراقيين من انتشار ظاهرة "المواقف الوهمية" التي تحتل الأرصفة والشوارع العامة، حيث تُفرض عليهم رسوم غير قانونية من قبل جماعات تسيطر على هذه المساحات، وسط اتهامات موجهة لجهات رسمية بالتغاضي أو التواطؤ مع هذه التجاوزات.
وجاء في تقرير لموقع العربي الجديد وتابعته "المطلع"، أنه:"تبرز في شوارع العاصمة بغداد وعلى أرصفتها ظاهرة الساحات الوهمية لوقوف السيارات، فضلاً عن المحافظات العراقية الأخرى، ما يمثل عائقاً يومياً أمام المواطنين العراقيين مع فرض جبايات غير رسمية من قبل جماعات تفرض سيطرتها على ما يُسمّى "ساحات الوقوف"، في مشهد يعكس استغلال المناطق العامة وممتلكات الدولة".
وأضاف التقرير:"بينما يشكو المواطنون من امتداد الظاهرة وهيمنتها، تكشف تصريحات بعض المسؤولين عن تواطؤ جزئي مع تلك الجماعات لتمكينها من بسط نفوذها، علماً أنها لا تملك أي ترخيص قانوني أو إداري لاقتطاع الأموال من المواطنين. وقد وصلت اعتداءات تلك الجماعات إلى الأزقة والطرق الجانبية المحاذية للأسواق والمناطق القريبة من المؤسسات الحكومية التي تشهد عادة زحمة مرور وسط تدنّي عدد مواقف السيارات".
ويتحدث مواطنون عن "تعاون خفي بين هذه الجماعات وجهات رسمية تشاركهم الأرباح"، حيث يقول المواطن عبد الله الكرخي، إن "ساحات الوقوف الوهمية باتت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية في بغداد"، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن:"البعض يسيطر على الأرصفة وأجزاء من الشوارع بالقوة، مستغلين حالات الازدحام المروري وحاجة أصحاب السيارات للوقوف أمام الدوائر الحكومية والعيادات والمستشفيات والأسواق التجارية، حيث يمنعونهم من الوقوف إلا بعد تقاضي مبلغ يصل إلى 5 آلاف دينار عراقي (أكثر من 3 دولارات أميركية)".
ويوضح أن:"البعض يمنح إيصالات تبدو رسمية لكنها لا تحمل أي ختم، ولا تؤمّن على السيارة"، ويتابع: "نعلم أن السيطرة على تلك الشوارع غير رسمية، لكننا نُجبر على الدفع كي نحظى بموقف، وبالتالي لا يتعطل عملنا".
"كراجات" بغداد... مرائب غير قانونية بسطوة السلاح
وإذ تؤكد الجهات الأمنية أنها تمنع تلك الساحات وتسعى لإغلاقها وتُلقي القبض على المدّعين باستئجارها، غير إنه سرعان ما يُطلق سراح هؤلاء ويعاودون نشاطهم.
ومؤخراً، أعلنت قيادة عمليات بغداد المسؤولة عن أمن العاصمة، إنها:"تواصل التدقيق بالساحات غير المجازة في جانبَي الكرخ والرصافة، حيث أغلقت 10 ساحات مخالفة للشروط والضوابط المعمول بها، وألقت القبض على عدد من أصحابها ممّن يستغلون الأرصفة، ويجبون المبالغ من المواطنين بطرق غير رسمية".
وأكدت في بيانها أن:"هذه الإجراءات تأتي حرصاً على أمن الأهالي وسلامتهم، وسعياً للحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، وعدم استغلال ضعفاء النفوس واستحصال المبالغ بطرق غير شرعية"، داعيةً المواطنين إلى:"الإبلاغ عن أي ساحة غير رسمية مخالفة".
وفي بياناتها المتكررة، نفت أمانة بغداد منح أي موافقات لاستخدام الأرصفة أو الشوارع كساحات لوقوف السيارات، مؤكدة أن تلك الساحات هي تجاوزات واضحة.
وفي هذا السياق، يكشف النقيب في مديرية المرور العامة، علي الفتلاوي، أن المديرية تنسق بشكل مباشر مع قيادة عمليات بغداد ودوائر البلدية، لإغلاق الكراجات غير المرخصة وضبط التجاوزات على الأرصفة".
ويقول لـ"العربي الجديد":"لم تعد الظاهرة مجرد مخالفة بسيطة، بل تحولت إلى نشاط شبه منظم يسيء إلى صورة العاصمة، ويزيد من حدة الازدحام، كما أن السيطرة على تلك الساحات تتعارض مع القوانين النافذة".
ويضيف الفتلاوي:"على الرغم من متابعة المسألة مع الجهات المعنية، إلا أن جزءاً من المشكلة يكمن في وجود مجموعات تحظى بدعم أو حماية من قبل جهات نافذة تعرقل عملية الإزالة، ما يحتّم عدم التهاون مع أي طرف يستغل الأملاك العامة أو يبتزّ المواطنين تحت أي غطاء كان".
ولا تبدو معالجة الظاهرة عملية سهلة، إذ تتداخل فيها أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية، خصوصاً وسط محدودية عدد المواقف المرخصة في المناطق التجارية والسكنية المزدحمة، ما يخلق فراغاً تستغله هذه الجماعات، فيما تسمح الثغرات التشريعية بانتشار تجاوزات تحت ذرائع مختلفة.
ويحمّل بعض المواطنين المسؤولية إلى الدوائر البلدية والأمنية، معتبرين أن الحملات الأمنية الموسمية لا تكفي، إذ سرعان ما تعود الظاهرة بعد أيام من رفع التجاوزات.
ويكشف أبو آدم، وهو سائق سيارة أجرة في بغداد، لـ"العربي الجديد"، أن:"الحملات الأخيرة أزالت مجموعة كانت تفرض رسوماً على مواقف غير رسمية عدة في بغداد، لكن بعد أسبوعين عاد هؤلاء لبسط سيطرتهم على الشوارع والأرصفة وفرض الإتاوات، ما يولّد انطباعاً بأن الحملات مجرد إجراءات شكلية، وأن جذور المشكلة لم تُعالج بعد".
وتُضاعف هذه الممارسات من الازدحام المروري، إذ إن احتلال الأرصفة والشوارع يُجبر السائقين على الوقوف في مسارات جانبية تعرقل حركة السير، كما أن تحويل الأرصفة إلى مواقف للسيارات يحرم المشاة من التنقل الآمن. وعلى الرغم من الشكاوى اليومية ومطالبات المواطنين بمنع تلك الساحات الوهمية، إلا أن الظاهرة تتمدد بشكل مستمر لتشمل معظم المناطق المزدحمة، وسط ضعف الإجراءات الرادعة.
ويناشد البعض السلطات العراقية اتخاذ خطوات ملموسة تقطع الطريق على تلك الجماعات التي تستغل حاجة الناس من أجل تحقيق أرباح يومية، معتبرين أن القضية ليست مجرد دفع مبلغ مالي، إنما تعكس غياب هيبة القانون لجهة استخدام المرافق العامة.
