تقرير خطير: أكثر من نصف الشهادات العليا في العراق مزيفة
في مشهد يعكس عمق الأزمة التي يعيشها النظام التعليمي والمهني في العراق، كشفت منظمة نيو ميديا لاين الأمريكية، اليوم الأربعاء، عن انتشار واسع لظاهرة الشهادات المزورة داخل البلاد، محذّرة من مخاطر حقيقية تهدد القطاع الأكاديمي والصحي والإداري على حد سواء.
وقالت المنظمة، بحسب تقريرها الذي ترجمته المطلع، إن ما لا يقل عن 30% من الأطباء العاملين في العراق، سواء في المؤسسات الحكومية أو الأهلية، يحملون شهادات غير موثوقة أو مزورة.
وتمتد هذه الظاهرة لتشمل ما يقارب نصف المسؤولين الحكوميين وأصحاب الأعمال والاستثمارات، في دلالة صريحة على أزمة ثقة شاملة تضرب بنية المؤسسات العراقية من الداخل.
وتكشف المنظمة أن تزوير الشهادات تحول إلى صناعة مربحة، لها أسواقها ووسطاؤها وأسعارها المحددة.
فشهادات الماجستير تُباع بما يتراوح بين خمسة آلاف وخمسة عشر ألف دولار، بينما تُسعّر شهادات الدكتوراه بين عشرة وعشرين ألف دولار، سواء صادرة من جامعات عراقية خاصة أو من جامعات خارجية، خصوصاً في لبنان، التي أصبحت مقصداً شائعاً لتلك المعاملات الأكاديمية المشبوهة.
ويشير التقرير إلى أن البرلمان العراقي أقرّ عام 2020 قانوناً أتاح للمسؤولين الذين زوّروا شهاداتهم الإفلات من العقاب، الأمر الذي عمّق الأزمة وأسهم في تراجع ثقة المجتمع الدولي بالمؤسسات التعليمية العراقية، بعدما كان التعليم العراقي يوماً ما أحد أبرز نماذج الكفاءة في المنطقة.
أما الدكتور هادي علاوي، وهو أحد المسؤولين السابقين في وزارة التعليم العالي، فقد أطلق تحذيرات صريحة من حجم الكارثة، موضحاً أن الشهادات المزورة تكلف الدولة مئات الملايين من الدنانير شهرياً، وتؤدي إلى تدمير النظام التعليمي بمنح المناصب لأشخاص غير مؤهلين.
ويضيف أن أكثر من نصف الشهادات العليا الصادرة منذ عام 2003 غير قانونية، وهو رقم صادم يعكس حجم التدهور الذي أصاب المؤسسة الأكاديمية.
وتحذر المنظمة من أن الخطر لا يقف عند حدود الفساد الإداري أو الهدر المالي، بل يمتد ليهدد حياة المواطنين بشكل مباشر، خصوصاً في مجالي طب الأسنان والتجميل، حيث يمارس كثير من الأطباء مهنتهم بناءً على شهادات مزيفة، ما يجعل المرضى ضحية لجهلٍ طبيٍّ لا يُقاس بثمن.
لقد أصبحت أزمة الشهادات المزورة، وفق التقرير، واحدة من أخطر مظاهر الفساد التي تفشّت في العراق بعد عام 2003، إذ فتحت الأبواب أمام آلاف الأشخاص لتسلّق المناصب الأكاديمية والإدارية الحساسة دون امتلاك أي كفاءة علمية أو مهنية، لتتحول الكفاءة في بعض المؤسسات إلى مجرد ورقة موقعة، لا قيمة حقيقية لها.
بدأت هذه الظاهرة بالاتساع مع انتشار الجامعات الأهلية وفتح قنوات تعليمية خارجية غير معترف بها، مستفيدة من ضعف الرقابة الأكاديمية وغياب القوانين الرادعة.
ومع مرور الوقت، تحولت إلى سوق سوداء تُباع فيها الدرجات العلمية كما تباع السلع، مقابل مبالغ مالية مغرية.
ويرى المراقبون أن الخروج من هذه الدوامة المظلمة يتطلب إرادة سياسية صادقة، تُعيد الاعتبار لقيمة الشهادة الأكاديمية، وتعيد فرض الهيبة على المؤسسات التعليمية، عبر تفعيل الدور الرقابي لوزارتي التعليم والداخلية، وفرض عقوبات صارمة على الجامعات والمؤسسات التي تتورط في بيع أو تصديق شهادات مزيفة، حتى لا يتحول الفساد العلمي إلى وباء أخلاقي يهدد مستقبل الأجيال القادمة.
