الدروس الخصوصية تتسلل للجامعات العراقية: عبء مالي و”ملاذ اضطراري” + فيديو
في ظاهرة متصاعدة وغير معهودة بالجامعات العراقية، برزت في السنوات الأخيرة بين صفوف طلاب الجامعات، تمثلت في لجوء عدد متزايد منهم إلى الدروس الخصوصية لفهم مواد يدرسونها في أروقة الجامعات، وشكل ذلك سابقة اتسّع انتشارها بين طلاب الجامعات الحكومية والأهلية معاً، ما عكس أزمة متراكمة تتعلق بتراجع جودة التعليم وسط دعوات إلى معالجة حقيقية للظاهرة، حيث لم تعد القاعات الدراسية مركزًا للفهم والاستيعاب، بل أصبحت مجرد محطة عبور للامتحانات.
وأشار تقرير لـ"العربي الجديد" وتابعته "المطلع" أن طلاب في كليات الهندسة والعلوم الطبية والإدارة والاقتصاد وغيرها، وصفوا في حديثهم لـ"العربي الجديد"، هذه الدروس بأنها "ملاذ اضطراري لا يمكن الاستغناء عنه في ظل ضعف توصيل المواد العلمية داخل قاعات الدراسة".
وتنشر المطلع ميديا فيديو يوضح التفاصيل
للمشاهدة:اضغط هنا
ويؤكدون أن كفاءة التدريس هي الشرط الأول عند البحث عن مدرس خصوصي، وأنهم يشترطون أن يكون الأستاذ حاصلاً على شهادته العليا من جامعة عراقية أو من جامعة عالمية معروفة، وأن يقدم محاضرة أو اثنتين مجانيتَين، لاختبار طريقة تدريسه وقدرته على تبسيط المعلومات".
وتتسبب الظاهرة في عبء مالي ثقيل على الأسر، خاصة أن دروساً كثيرة تقدم بمبالغ تتراوح بين 15 و40 دولاراً للمحاضرة الواحدة. وفي بعض التخصصات الطبية والهندسية المعقدة قد تتجاوز الأجور 100 دولار للدورة القصيرة.
وقالت سهى العبيدي، وهي والدة طالبة في إحدى كليات طب الأسنان الأهلية ببغداد، لـ"العربي الجديد": "اضطررت إلى إرسال ابنتي إلى مدرسين خصوصيين ثلاث مرات أسبوعياً. وأدفع ما يقارب 300 ألف دينار شهرياً، وهذا مبلغ يفوق قدرة الأسرة، لكنه الحل الوحيد لتجاوز السنة الدراسية"، وتابعت: "الدروس الخصوصية شرط غير معلن للنجاح الجامعي، خصوصاً في بعض الكليات الأهلية التي تفتقر إلى تدريس مستقر وكادر أكاديمي مؤهل، في حين تحصل تعيينات سريعة لخريجين جدد يحملون شهادات من جامعات خارجية غير معروفة".
وتشير مصادر أكاديمية إلى أن جزءاً من الأزمة يعود إلى دخول عدد كبير من حملة الشهادات العليا إلى سوق التعليم العالي ممن حصلوا على درجات الماجستير والدكتواره عبر برامج دراسية غير رصينة في دول مثل لبنان وإيران وغيرها، وبعضها مُنحت بعد الدراسة من بعد من دون تطبيق معايير البحث العلمي أو الإشراف الحقيقي.
وقال أستاذ جامعي في جامعة بغداد، فضل عدم ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد": "استقبلت الأقسام العلمية عدداً كبيراً ممن يحملون شهادات عليا من جامعات مغمورة، وبعضهم لا يملكون أدوات التدريس أو مهارات البحث. وأدى ذلك إلى انخفاض واضح في مستوى المحاضرات، وزيادة اعتماد الطلاب على مصادر خارج القاعة".
وبحسب نقابة الأكاديميين العراقيين، تعمل جامعات أهلية عدة بطاقة تتجاوز قدراتها الحقيقية، وتعيّن مدرسين غير مؤهلين لتغطية نقص الكادر، ما ينعكس مباشرةً على مستوى الطلاب، وأكد ماجد البياتي، وهو عضو في النقابة، أن "المشكلة تكمن في ضعف إجراءات الاعتماد، وعدم وجود نظام صارم لتقييم الكادر الأكاديمي، إلى جانب غياب محاسبة الجامعات التي تستقدم كوادر غير ذات كفاءة. فعلياً تتعامل بعض الجامعات مع العملية التعليمية بوصفها مشروعاً تجارياً يقدم شهادات مقابل رسوم مرتفعة، من دون ضمان جودة المحتوى أو التدريس".
وحذر خبراء تربويون من أن استمرار هذه الظاهرة سيقود إلى فجوة حقيقية في مستوى الخريجين، خصوصاً في التخصّصات الحساسة مثل الطب والهندسة.
وقال الدكتور مجيد الربيعي، وهو باحث في شؤون التعليم، لـ"العربي الجديد": "قد ينجح طلاب الجامعات الذين يعتمدون على دروس خصوصية في الامتحانات، لكنهم لن يتخرجوا بالمهارات المطلوبة. خسرت الجامعات العراقية جزءاً من دورها في التدريب العملي وإعداد الطلاب"، وأضاف: "تحوّلت الدروس الخصوصية من وسيلة مساعدة إلى بديل فعلي للمحاضرات الجامعية، وهذا مؤشر خطير يدل على انهيار الثقة بالمؤسسة التعليمية".
وسبق أن رصدت تقارير محلية تراجعاً في مستوى البحوث تمثل بوجود عشرات المكتبات التي تبيع بحوثاً ورسائل جاهزة في محافظات عدة، ما أفقد عملية البحث جزءاً من نزاهتها، وأدى إلى دخول أشخاص إلى التعليم العالي لا يملكون مؤهلات حقيقية.
ودعا البياتي وزارة التعليم العالي إلى وضع آلية صارمة لتقييم المدريسين، عبر "إجراء اختبارات كفاءة دورية، وإعادة النظر في شهادات بعض خريجي الجامعات الخارجية، وتنظيم عملية التعيين لضمان عدم دخول كوادر غير مؤهلة"، وشدد على "أهمية مراقبة أداء الجامعات، وتعزيز التدريب التربوي، واعتماد أساليب تدريس حديثة تقلل اعتماد الطالب على الدروس الخارجية".
وتشير ظاهرة لجوء طلاب الجامعات العراقية إلى الدروس الخصوصية وتوسّعها رغم كلفتها العالية، إلى أزمة في بنية التعليم العالي في البلاد، إذ يُضطر الطالب نفسه إلى البحث عن "معلم بديل" قادر على تبسيط المادة العلمية؛ لأن المؤسّسة التعليمية لم تعد تؤدي دورها كما يجب.
كلمات مفتاحية
- العراق
- جامعات العراق
- التدريس الخصوصي
- التعليم الجامعي
- جودة التعليم
- كلفة التدريس
- تعليم خاص
- تقارير عربية دولية
