المطلع
عاجل

post-image

صحيفة العرب: كيف تحوّل مقتدى الصدر إلى أعظم هدية يكسبها نوري المالكي؟


09:28 خاص بـ "المطلع"
2022-09-02
80932
تمكن الإطار التنسيقي من تحقيق انتصارات على التيار الصدري بسبب الأخطاء التي ارتكبها مقتدى الصدر، حيث فشل زعيم الصدريين في الاستفادة من الأغلبية النيابية واعتبر السلطة غنيمة وتمسك بالقرارات الشعبوية وغلّب العداء الشخصي مع رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي على مصلحة تياره.

يرى مراقبون للمشهد العراقي أن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر قدم هدية ثمينة لزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي فلو بحثت جماعات “الإطار التنسيقي”، بقيادة المالكي، عن حليف يقدم لها خدمات مجانية ويستر عوراتها ويقيلها من عثراتها، في أربع جهات الأرض، فإنها لن تعثر على من هو أفضل من مقتدى الصدر.

ويحصي مراقبون جملة من الخدمات الاستثنائية، غير المتوقعة والمجانية، بعدد من النقاط هي التي سمحت لهذه الجماعات بالخروج بانتصار مؤزر من المواجهة مع “التيار الصدري”.

وتتمثل النقطة الأولى في فشل الصدر في الاستفادة من أغلبيته داخل الإطار الشيعي في البرلمان في تعزيز مكانته بعرض برنامج إصلاحي عريض ووطني واضح المعالم. ولكنه بدلا من ذلك، دفع النزاع ليتخذ مسارا شخصيا، ما زاد الريبة وسط قادة الإطار من أن الصدر يستهدف تصفية نفوذهم الشخصي، بل وربما يسوقهم إلى السجون بتهم الفساد، وهو ما أدى إلى أن يتحولوا إلى كتلة صلدة عجز الصدر عن تكسيرها أو تفكيكها أو كسب طرف من أطرافها إلى جانبه، منذ بداية الأزمة حتى انهيارها من دون حل.

وتتمثل النقطة الثانية في إعلان استقالة نواب التيار الصدري الـ73 ما أدى إلى تعزيز نفوذ جماعات الإطار وتحويلهم إلى أغلبية تستطيع أن تقرر ما تشاء. وهو ما وفر لها فرصة حاولت الاستفادة منها من دون إبطاء، بإحلال بدائل للنواب الصدريين من منافسيهم التابعين لجماعات الإطار، وبالشروع في إجراء مفاوضات مع الكتل الأخرى لتشكيل الحكومة. ما اضطر تلك الكتل إلى قبول المساومات مع قادة الإطار، والعودة إلى قواعد المحاصصة، والتسويات القائمة على تقاسم المنافع، وبالتالي إعادة إنتاج دولة الفساد.

وتشير النقطة الثالثة إلى امتداد الأزمة لنحو عشرة أشهر، ما أدى إلى تعطيل الاستحقاقات الدستورية وخروجها عن سكة المواعيد الناظمة لها. وهو ما وفر الفرصة لجماعات الإطار لتتحول إلى طرف يدافع عن هذه الاستحقاقات، رغم أنها كانت هي التي بدأت في تخريبها بإنشاء “الثلث المعطل”. وبالنظر إلى أن سياقات النزاع الشخصي هي التي غلبت على مشاغل الصدر، ولأنه لا يملك برنامجا وطنيا للإصلاح فقد غابت عنه فكرة الدفاع عن السياقات الدستورية، وفشل في أن يظهر تياره كقوة قادرة على إدارة الدولة.

وتتمثل النقطة الرابعة في كون الصدر نظر إلى السلطة كغنيمة حيث كان من السهل على التيار الصدري، أن يدعو إلى حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، لأنه كان يملك مع حلفائه السنة والأكراد الأغلبية المطلقة التي تؤهله لإملاء هذا المسعى. إلا أنه، على غرار جماعات الإطار، نظر إلى فوزه كـ”غنيمة” وخشي أن يأخذ بسبيل الانتخابات لئلا يفشل في أن يفوز بعدد المقاعد التي فاز بها في انتخابات العاشر من أكتوبر 2021. ولأنه من دون تصور إصلاحي واضح، ومن دون رؤية وطنية، ولأن قضيته كلها كانت قضية تصفية حسابات شخصية، فقد كان من الطبيعي أن يغلب عليه الخوف من العودة إلى الناخبين.

وتشير النقطة الخامسة إلى التفكير الشعبوي للصدر فقد دفع أنصاره إلى اقتحام البرلمان في مشهد من مشاهد الفوضى والعشوائية، عزز الانطباع بأنه يصدر عن تصورات “شعبوية” (بالأحرى، رعاعية) لا تنم عن أدنى استيعاب للمكانة المؤسسية والدستورية لبرلمان منتخب، كانت له هو اليد الطولى فيه. وعندما تعالت أصوات التنديد بما أصبح سلوكا همجيا فقد اختار أن ينسحب من داخل البرلمان لمحاصرته من الخارج. وهو ما رفع أصوات الإدانة ضد “تعطيله للمؤسسات الدستورية”. والجماعات المتهمة قياداتها بالفساد أصبحت حامية لهذه المؤسسات ومدافعة عن النظام وسلطة القانون، وهو ما تحول إلى سلاح بيدها ضد الصدر.

وتشير النقطة السادسة إلى أن تحوّل النزاع إلى “دفاع عن النظام والمؤسسات” بدلا من مواجهة الفساد، أدى إلى تبديد أثر التسريبات الصوتية التي نسبت إلى نوري المالكي، والتي كان من شأنها، لو توفرت للصدر رؤية وطنية، أن تؤدي إلى عزله والإطاحة به بل وربما محاكمته أيضا. إلا أن الانقلاب الذي أحدثه الصدر في مقارباته للأزمة وفر للمالكي مخرجا ما كان ليحلم بمثله، حيث انتهى الأمر إلى تسويات شخصية بينه وبين جماعاته، طالما أن القضية كلها كانت قضية تسوية حسابات شخصية. وكسب المالكي منفذا يقول إنه إذا كان هو المستهدف الآن، فإن الآخرين هم الذين سيكونون الهدف التالي. وهو ما أدى إلى تعزيز وحدة قيادات الإطار بدلا من تفكيكها.

وتتمثل النقطة السابعة في أن إعلان الصدر “الاستقالة النهائية” كان خدمة أخرى للإطار من جانبين. الأول، أنه أخلى الساحة لمنافسيه. والثاني أنه ترك أنصاره للفوضى، لا يرشدهم مرشد ولا يرعاهم راع. وكان من الطبيعي أن تنقلب الأمور إلى مواجهات مسلحة أكدت فشله في أن يكون قائدا لحراك سلمي ولمطالب إصلاحية.

وتشير النقطة الثامنة إلى أن الصدر لم يأخذ في الحسبان أن صراعا مسلحا بين أطراف شيعية يقف دونه حائلا، هو مرجعية النجف التي انقلبت إلى دعم موقف جماعات الإطار، بدلا من أن تدعم مطالبه وتحركه الشعبي. فهذه الجماعات بما أنها تبنت خطاب “الشراكة” و”التسوية” فقد احتلت موقع الضحية، رغم أنها بفسادها وفشلها في إدارة مصالح البلاد، كانت هي الجاني على امتداد عقدين من الزمن. كل ما تراكم من عورات ومثالب وانهيارات وتداعيات تبدد لتصبح هي الطرف الذي يسعى إلى “وحدة الصف الشيعي”.

وتتمثل النقطة التاسعة في أن الصدر لم يراع أن تحركه يدغدغ أماني قطاع شعبي عريض من أقصى البلاد إلى أقصاها، بالإصلاح ومكافحة الفساد والتحرر من هيمنة إيران. وهو قطاع خاض انتفاضة سلمية، وكان من الممكن أن يصطف إلى جانبه لو أنه اصطف إلى جانب مطالبه. ولكنه حاربه لكي يركب مركب “قيادة المعارضة”، وعندما نجح في ركوبه فشل في استقطاب هذا القطاع العريض، حتى أن شخصيات الانتفاضة والمستقلين رفضوا الشراكة معه في تشكيل أغلبية تكفي لبناء حكومة. وعندما انهارت احتجاجات التيار فإن تحركه خارج بغداد سرعان ما تفكك وانطفأ، بينما كان بوسع تلك الانتفاضة أن تتواصل لنحو 16 شهرا.

وتشير النقطة الأخيرة إلى أن هذه الهدايا كلها سمحت لجماعات الإطار بأن تكون هي الطرف الذي يقدم مبادرات ومقترحات وحلولا. وانتهى الأمر إلى أنها هي صاحبة اليد الطولى في الدعوة إلى “إقامة حكومة خدمات وطنية”. تقصد منها أن تشتري موقعا انتخابيا ما كانت لتحظى به لو أن الصدر عرف كيف يدير المعركة ضد فسادها وفشلها وولائها لإيران.

ويرى المراقبون، أن الصدر، بعد كل هذا الفشل، فعل شيئا واحدا صحيحا ألا وهو إعلانه اعتزال السياسة “نهائيا”. ولكن التوقعات تذهب إلى أنه مثلما “استقال” عدة مرات سابقة، ومثلما حل جيشه وأغلق مؤسساته لعدة مرات أيضا، فلن يحافظ حتى على هذا الشيء الوحيد الصحيح. ومن المرجح أن يعود إلى ملعب التسويات مع جماعات الإطار، بأن يعقد مصالحة معها على حساب كل الذين انخدعوا بدعواته لمحاربة الفساد والتبعية.

من حيث يدري ولا يدري، أصبح مقتدى الصدر هدية ما كان نوري المالكي ليحلم بها. ولو أنه دار الأرض بعدد استدارات الصدر على نفسه فلن يجد أفضل منه.

 

المصدر: صحيفة العرب

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

استهداف جديد في نينوى.. والحشد يطمئن بعدم وجود خسائر بشرية

استهداف جديد في نينوى.. والحشد يطمئن بعدم وجود خسائر بشرية

2026-03-31 14:44 7646
تمديد إغلاق الأجواء العراقية لمدة (72) ساعة

تمديد إغلاق الأجواء العراقية لمدة (72) ساعة

2026-03-31 14:39 32025
مكتب الصدر يصدر تعليمات تظاهرة السبت + وثيقة

مكتب الصدر يصدر تعليمات تظاهرة السبت + وثيقة

2026-03-31 14:23 28956
العراق يدين قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ويصفه بـ"التصعيد الخطير"

العراق يدين قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ويصفه بـ"التصعيد الخطير"

2026-03-31 14:21 8291
أسعار الدولار ترتفع بعد استقرار يوم أمس في الأسواق المحلية

أسعار الدولار ترتفع بعد استقرار يوم أمس في الأسواق المحلية

2026-03-31 13:26 6883
مصر تكثف الاتصالات مع الخليج والأردن لخفض التصعيد الإقليمي

مصر تكثف الاتصالات مع الخليج والأردن لخفض التصعيد الإقليمي

2026-03-31 13:23 9974
الحرس الثوري يعلن إطلاق الموجة 88 من "الوعد الصادق 4"

الحرس الثوري يعلن إطلاق الموجة 88 من "الوعد الصادق 4"

2026-03-31 11:02 6904
الرئيس الإيراني يحيّي موقف العراق: تضامن نابع من القيم المشتركة

الرئيس الإيراني يحيّي موقف العراق: تضامن نابع من القيم المشتركة

2026-03-31 10:31 7060
دوري النجوم... 5 مباريات ساخنة اليوم أبرزها ديربي الشرطة والجوية

دوري النجوم... 5 مباريات ساخنة اليوم أبرزها ديربي الشرطة والجوية

2026-03-31 10:11 9112
تراجع أسعار النفط بعد أنباء عن توجه أميركي لإنهاء الحرب مع إيران

تراجع أسعار النفط بعد أنباء عن توجه أميركي لإنهاء الحرب مع إيران

2026-03-31 09:26 7732
توقعات بطقس متقلب بالعراق: أمطار متفرقة وارتفاع تدريجي بالحرارة

توقعات بطقس متقلب بالعراق: أمطار متفرقة وارتفاع تدريجي بالحرارة

2026-03-31 08:58 10253
التحالفات والخيانات: صمود إيران ودروس أكراد العراق بلعبة الشرق الأوسط الكبرى

التحالفات والخيانات: صمود إيران ودروس أكراد العراق بلعبة الشرق الأوسط الكبرى

2026-03-30 22:12 9899
ارتفاع طفيف للدولار في بغداد واستقراره في أربيل مع الإغلاق

ارتفاع طفيف للدولار في بغداد واستقراره في أربيل مع الإغلاق

2026-03-28 17:15 8027
رويترز: ترامب يسعى لتجنب حرب طويلة مع إيران مع التلويح بتصعيد كبير

رويترز: ترامب يسعى لتجنب حرب طويلة مع إيران مع التلويح بتصعيد كبير

2026-03-28 16:31 7807
السوداني يدين الهجوم الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان بدهوك

السوداني يدين الهجوم الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان بدهوك

2026-03-28 16:27 18550
سلطة الطيران المدني تعلن تمديد إغلاق الأجواء العراقية لمدة (72) ساعة

سلطة الطيران المدني تعلن تمديد إغلاق الأجواء العراقية لمدة (72) ساعة

2026-03-28 16:24 14354
إعلام أمريكي: إصابة 29 جندياً بهجوم إيراني على قاعدة شرق السعودية

إعلام أمريكي: إصابة 29 جندياً بهجوم إيراني على قاعدة شرق السعودية

2026-03-28 12:33 9853
الدولار يتراجع والذهب يحلّق ببغداد وأربيل مع انطلاق تعاملات الأسبوع

الدولار يتراجع والذهب يحلّق ببغداد وأربيل مع انطلاق تعاملات الأسبوع

2026-03-28 12:28 8407