تحت سلطة الكاظمي.. الصحفيون يعيشون أيامهم "الأكثر سواداً" بحسب تقرير دولي
التأثيرات السياسية تركت ظلها أيضا على شريحة الصحفيين العاملين في العراق، بعد اصدار منظمات دولية تقاريرها حول تدهور الأوضاع الخاصة بعمل الصحفيين داخل العراق، ووصولها الى مراحل "غير مسبوقة" من الخطورة بحسب ما بين معهد دراسات دول الخليج في واشنطن من خلال تقرير نشرته في الخامس من أكتوبر الحالي، تلك الخطورة تباينت بين الأوضاع الوظيفية للصحفيين، والتهديدات والخروقات التي يتعرضون لها بسبب عملهم في العراق.
تقرير المعهد افتتح بالتأكيد على ان مساحة الحرية لعمل الصحفيين تعد جديدة نسبيا على الأوضاع العراقية بعد مرحلة الدكتاتورية التي استمرت لثلاث عقود وشهدت منها انحلالا شبه تام لعمل الصحافة من خلال تحويلها الى اذرع إعلامية خاصة بحزب البعث الحاكم، والذي منع وحارب كل اشكال التعبير عن الراي والكشف عن المعلومات في محاولة لابقاء المجتمع العراقي منغلقا عن العالم الخارجي، الامر الذي دفع بالعراقيين لمتابعة وسائل اعلام اجنبية مثل إذاعة مونتي كارلو بحسب التقرير.
تبعات حقبة الدكتاتورية تركت اثرها على الاعلام العراقي بشكله الجديد، حيث بين المعهد، ان وسائل الاعلام العراقية تعاني من مشكلة في الحصول على التمويل من خلال الاشتراكات وعائدات الانترنت نظرا لتأخرها في الدخول الى مضمار الانترنت نتيجة لمنع النظام السابق استخدامه في العراق، الامر الذي ترك الصحافة "رهينة" للنظام الحاكم حينها.
تلك التبعات انعكست على أوضاع الصحفيين والصحافة بشكل عام في العراق في الحقبة الجديدة التي تبعت عام 2003، بحسب المعهد، حيث تعاني وسائل الاعلام العراقية من مشكلة التمويل، والذي تركها عرضة للاستغلال السياسي، بالإضافة الى اجبار الصحفيين على العمل ضمن وسائل اعلام تتبع جهات سياسية صريحة، دون وجود وسائل اعلام حيادية، على حد ذكر التقرير.
هذه هي مصادر تمويل الاعلام العراقي.. ولا أحد يعلم كم عدد وسائلها
خلال سؤال وجه لاحد المسؤولين في نقابة الصحفيين العراقيين بحسب التقرير، فان اعداد وسائل الاعلام العاملة حاليا في العراق، وعدد الصحف المطبوعة، ما يزال "غير معروف" بسبب صعوبة قياسه، مع اتساع رقعة العمل الصحفي بشكل غير مسبوق والانفتاح الكبير الذي شهده العراق في تشكيل وعمل وسائل الاعلام، هذه المشكلة ساهمت بتفاقم الخروقات التي يتعرض لها الصحفيين العاملين في العراق بحسب التقرير.
ضعف قدرة وسائل الاعلام العراقية على تمويل نفسها من خلال القطاع الخاص نتيجة لتأخرها في الدخول الى عالم الصحافة الالكترونية وطرق الحصول على الأموال عبره، دفع بوسائل الاعلام الى العمل بشكل او باخر ضمن "الاذرع الإعلامية للأحزاب والجهات السياسية في العراق"، بحسب وصف التقرير، الامر الذي جعل وسائل الاعلام تعتمد بشكل رئيس على التمويل الذي تحصل عليه من الجهات الحكومية، شبه الحكومية، المنظمات الدولية، والأحزاب السياسية العاملة في العراق للاستمرار بالعمل.
غياب التمويل أضعف من قدرة وسائل الاعلام العراقية على ان تكون مستقلة بشكل كامل عن تأثير الأحزاب والجهات السياسية، بحسب التقرير، الامر الذي تعاظم بشكل أكبر مع ظهور تهديدات تواجه عمل الصحفيين داخل العراق بسبب غياب القوانين التي تحمي الصحفيين وعملهم، بالإضافة الى عجز السلطات عن تقديم الضمانات الوظيفية والحياتية للصحفيين، بحسب وصف التقرير الذي أكد نقلا عن شبكة ان بي ار الامريكية، ان ما يزيد عن 120 صحفي و50 عامل في مجال الاعلام تعرضوا للاغتيال والقتل اثناء أداء العمل خلال الخمسة سنوات المنصرمة.
غياب الحماية الوظيفية والأمنية.. الأحزاب السياسية تسيطر على وسائل الاعلام العراقية
صعوبة إقامة وسائل اعلام مستقلة بشكل كامل للعمل في العراق نتيجة لغياب التمويل الضروري لعملها وتعرضها المستمر للخروقات والتهديدات الأمنية، قاد الى ما وصفه تقرير صادر عن معهد الاوبن سوسايتي بـــ "استحواذ الأحزاب السياسية على وسائل الاعلام من خلال استغلال تمويلها عبر الأموال العامة المهربة من الدولة والتي بدات بين عامي 2006 و 2007"، ذلك الاستحواذ بحسب المعهد قاد الى تشكيل وسائل الاعلام العراقية على النمط الذي اتخذته الأحزاب، ومنه التمثيل الاثني، العرقي والمذهبي.
وسائل الاعلام بحسب تقرير المعهد تحولت الى شكل النظام الذي وضعته الولايات المتحدة في العراق، والذي قسم السلطات داخل البلاد على أساس عرقي ومذهبي ضمن نظام المحاصصة، الامر الذي قاد وسائل الاعلام العراقية للتحول الى "اذرع إعلامية تحاكي الأحزاب السياسية العراقية في التشكيل والخطاب العام"، مما قاد الى انخفاض كبير في قدرتها على تقديم مضامين حيادية، على حد وصف التقرير.
الأحزاب السياسية ومن خلال استغلالها لضعف التمويل الذي تعاني منه وسائل الاعلام العراقية، وغياب الحماية القانونية من الدولة للصحفيين سواء على مستوى وظيفي او امني، قاد الى استخدامها من قبل تلك الأحزاب لــ "منع التغطيات المعارضة لتوجهاتها وتوجيهها نحو الاجندات التي تخدم تلك الأحزاب المسيطرة عليها" متابعة "العديد من وسائل الاعلام العراقية أصبحت مملوكة بالكامل من قبل جهات وأحزاب سياسية".
ثاني أخطر بلاد في العالم لعمل الصحفيين.. ملايين الدولارات تصرف على الدعاية ولا شيء على الاعلام والصحفيين
في عام 2005، اجرت جمعية حماية الصحفيين الدولية دراسة تبين خلالها ان العراق يقع في المرتبة الأولى في العالم كاخطر المواقع لعمل الصحفيين في العالم، بعد خمسة عشر عام، انتقل العراق الى المرتبة الثانية، حيث ما يزال ضمن المناطق الأكثر خطورة في العالم لعمل الصحفيين بحسب تقرير اخر نشرته منظمة صحفيين بلا حدود.
المنظمة قالت، ان أوضاع الصحفيين في العراق شهدت تدهورا بشكل خاص بعد تظاهرات تشرين عام 2019، حيث ارتفعت نسب التهديدات والاغتيالات والاعتقالات وكذلك الخروقات الأمنية ضد المؤسسات الصحفية بشكل كبير مع توجه العديد من الجهات السياسية التي "شعرت بتهديد وجودها بسبب التظاهرات" الى محاولة منع التغطيات الصحفية للتظاهرات.
عمليات مثل "التهديد، الخطف، الهجمات والاغتيالات" أصبحت اكثر تواترا في العراق منذ عام 2019 وحتى اليوم بحسب التقرير، تلك الخروقات لم تطل الصحفيين بحسب بل تعدته الى وسائل الاعلام التي منعت من تغطية اخبار التظاهرات بشكل حيادي، واستخدمت بطريقتين، الأولى تضمنت "استغلال التظاهرات من قبل أحزاب وجهات سياسية لضرب منافسيها من خلال المضامين الإعلامية، وثانيها منعها كليا من تغطية التظاهرات بشكل حيادي"، على حد وصف التقرير.
بحسب اتحاد حماية حرية التعبير، فان العراق شهد وخلال عام 2020 فقط، تسجيل ما يزيد عن 300 خرق بحق الصحفيين، منها "الاغتيال، الضرب، التهديد المسلح، الاعتقال التعسفي والاستهداف"، تلك الخروقات وقعت تحت انظار السلطة العراقية التي وصفها التقرير بانها "شريكة" فيها في إشارة الى ما تعرض له الصحفيين في كل من البصرة، بغداد، ذي قار، ومحافظات إقليم كردستان العراق، التي شهدت نسب كبيرة من الاعتقالات التعسفية بحق الصحفيين الناقدين لاداء حكومة الإقليم.
الاعلام العراقي يشهد "ضخ المليارات من الدولارات" شهريا بحسب تقرير معهد دراسات الخليج في واشنطن، ينفق معظمها على "جيوش الكترونية وحسابات وهمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما لا ينفق شيء يذكر على الاعلام العراقي التقليدي او الحيادي"، الامر الذي قاد الى صعوبات اكثر تواجه الصحفيين المستقلين أدت الى منعهم من أداء عملهم بشكل صحيح داخل البلاد، بحسب المعهد.
وسط صمت حكومة الكاظمي.. أوضاع الصحفيين تتجه نحو "الاسوا"
بحسب تقرير المعهد وتقرير اخر لمنظمة مراسلين بلا حدود، فان السنوات الحالية التي باتت توصف بانها "الأكثر سوادا على الصحفيين في العراق"، باتت تتجه نحو الاسوا، مبينة، انخفض معدل حرية التعبير في العراق ليصبح في المركز 172 من اصل 180 دولة على مستوى العالم بعد ان كان يشغل المركز 163 خلال عام 2021.
أوضاع الصحفيين في العراق أصبحت مهددة بشكل اكبر مما مضى بسبب غياب الحماية القانونية بشكلها الوظيفي، مع تعرضهم لخروقات مستمرة من قبل وسائل الاعلام التي تسيطر عليها الأحزاب والجهات السياسية داخل العراق، ومنها حرمانهم من المخصصات وتهديدهم بالطرد في حال العمل بشكل حيادي، بالإضافة الى التهديدات الأمنية التي تطال الصحفيين الذين يسلطون الضوء على القضايا العامة والسياسية في العراق بشكل مستقل، بحسب التقرير.
استمرار تدهور الأوضاع والذي وصفه التقرير بانه يأتي على يد "أحزاب سياسية وجهات مسلحة وميليشيات بالإضافة الى الحكومة العراقية ذاتها والتي تشارك منذ عقدين في قمع أي حرية تعبير او أصوات صحفية تنتقد الأداء العام خارج اطار الوسائل التي تتبع الأحزاب السياسية" أدت في النهاية الى جعل الاعلام العراقي "أداة لتصفية الحسابات السياسية" بالإضافة الى اجباره على "النظر بعيدا عن أسباب الفساد الأساسية وإبقاء عمل الاعلام العراقي محصورا بالتحكم بتدفق المعلومات، ونشر المعلومات الخاطئة، بدلا من اعلام العامة بشكل حيادي"، تلك التحديات قادت أيضا الى جعل الصحفي العراقي مهددا ليس في وظيفته فحسب، بل حياته أيضا، على حد وصف التقرير.
