المطلع تكشف: اتفاقية 360 درجة مع واشنطن.. إعادة هيكلة الجيش وتوسيع النفوذ الأمريكي على العراق
الاهتمام الجديد الذي تظهره الإدارة الامريكية بالملف العراقي ظهر جليا بعد ما وصفته مجلة بريكنغ ديفنس في تقرير نشرته في السابع من الشهر الحالي، بتوجه لــ "إعادة تقييم" الدور الأمريكي في العراق بشكل كامل، وخصوصا فيما يتعلق بالدور العسكري وتواجد القوات الامريكية بالإضافة الى طبيعة تعاونها مع القوات العراقية، مشيرة الى "المنافسة" التي باتت تتعرض لها في العراق من اطراف اجنبية أهمها روسيا، الصين، فرنسا وتركيا، عقب تنعمها بفترة من "السلام" نتيجة لتوقف عمليات الاستهداف التي تطالها داخل البلاد من قبل الفصائل المسلحة.
السياسة الامريكية في العراق والتي كانت حتى أيام مضت تشهد "تجمدا كاملا" بحسب وصف المجلة، تتعرض الان "لانتقال" غير مسبوق يركز على جوانب متعددة داخل العراق، من توسعة نفوذ الولايات المتحدة سياسيا، عسكريا وامنيا، وحتى السيطرة على الاقتصاد من خلال الاستثمار في مجال الطاقة والتطوير الاقتصادي، بحسب وصفها، تلك البوادر لتغيير السياسة الامريكية ظهرت جليا من خلال نتائج زيارة وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي الى واشنطن الأسبوع الماضي، والتي وصفت بانها "الخطوة الأولى" لتنفيذ "السياسة" والخطة الامريكية الجديدة في العراق بعد مرحلة التجميد السابقة.
لن نغادر.. لقد انفقنا المليارات على العراق وحان الوقت لحصد الثمار
التبدل في الموقف الأمريكي الأخير حول سياستها في العراق بدا مع اعلان واشنطن نيتها رسميا "استقبال" وزير الدفاع العراقي للبحث في "تطور القوات الأمنية العراقية"، بحسب ما كشفت المجلة، حيث اكدت نقلا عن مسؤولين داخل واشنطن ان الحكومة الامريكية "انفقت مليارات الدولارات في العراق وما تزال تفعل ذلك مع وجود تغيير قليل"، موضحين نيتها القيام بــ "إعادة تقييم" للدور الأمريكي في العراق منطلقين من التعاون الأمني مع القوات العراقية كخطوة أولى لتحقيق التغيير.
تلك الخطوة بنيت بحسب المجلة على أسس عملية العزم الصلب التي قالت انها دخلت اهتمام الإدارة الامريكية من جديد بعد الكشف عن انها "عالقة" في مرحلتها الرابعة منذ العام 2020 وحتى اليوم، دون ان تحقق الأهداف التي وضعتها الإدارة الامريكية لها، مؤكدة ان واشنطن باتت ترى بان القوات العراقية "لم تحقق تطورا ملحوظا" في امكانيتها على الرغم من الدعم الأمريكي المقدم، خصوصا بعد قرار إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن انهاء العمليات العسكرية رسميا عام 2021، ونقل الاعتماد في مكافحة التنظيم الإرهابي الى القوات العراقية بشكل كامل، بحسب وصفها.
الموقف الأمريكي الحالي الراغب بــ "تاطير العلاقة مع العراق بشكل جديد" ينبع من شعور واشنطن بانها "انفقت المليارات في العراق" بحسب ما اكد الباحث في مركز سينتشري للبحوث الأمنية الجديدة جوناثان لورد، والذي اعلن "على الرغم من الأموال الطائلة التي انفقتها واشنطن في العراق الا انها ما تزال مستمرة دون أي تغيير حقيقي ترغب به داخل العراق، الامر الذي دفعها الى التحرك الحالي"، بحسب وصفه.
المجلة أوضحت ان النتاغون الأمريكي ينفق نحو 315 مليون دولار سنويا في العراق على عملية العزم الصلب ودعم القوات الأمنية داخل البلاد وخصوصا البيشمركة التي وصفتها بــ "رمزية الوجود"، مؤكدة ان واشنطن ترغب الان "بحصد الثمار" في العراق من خلال خطة جديدة شرعت بها مع زيارة وزير الدفاع العراقي الى الولايات المتحدة.
احباط في الكونغرس.. إعادة هيكلة القوات العراقية وإيجاد "حل نهائي" للبيشمركة
المجلة اكدت أيضا ان الإدارة الامريكية تنفق نحو 20 مليون دولار شهراي على دعم القوات العراقية والكردية داخل البلاد، مؤكدة "على الرغم من الانفاق الكبير على القوات الكردية البيشمركة والتي تملك مكانة رمزية لا اكثر، فانها على الغالب ستشتت في اللحظة التي تتوقف فيها واشنطن عن دفع رواتب منتسبيها".
وتابعت "القوات العراقية من جانبها، ما تزال تعاني من ذات المشاكل التي اصابتها بالعلل منذ العام 2014 وحتى اليوم، حيث ما تزال تعتمد على الاستخبارات الامريكية والقدرة القيادية والمناورات التي تقدمها عملية العزم الصلب لتنفيذ عملياتها، الامر المنطقي جدا بالنظر الى ان الإدارة الامريكية لم تحاول باي شكل من الاشكال معالجة تلك المشاكل من الأساس"، بحسب وصفها.
الوضع الأمني الحالي في العراق قاد الكونغرس الأمريكي بحسب المجلة الى الشعور بــ "الإحباط والقلق" خصوصا بعد إعادة تقييم الدور الأمريكي في البلاد، مؤكدة ان "استدعاء" وزير الدفاع العراقي الى واشنطن اتى على خلفية هذا القلق والإحباط، مشيرة الى ان الولايات المتحدة "ستحاول" إعادة هيكلة القوات الأمنية العراقية من جديد، والحرص على "إيجاد حل لقوات البيشمركة التي تحولت مؤخرا الى أدوات مسلحة بايدي الأحزاب الكردية".
زيارة وزير الدفاع العراقي الى واشنطن تخللها توجيه من الحكومة الامريكية للبنتاغون بالتعاون مع وزارة الخارجية لتحقيق "تواجد امن ومستمر" للمصالح الامريكية في العراق وبشكل "يمنع تكرار حادثة عام 2014 وظهور تنظيم إرهابي جديد"، حيث أوضحت المجلة ان توجيه الحكومة الامريكية لمؤسساتها يحث خارجيتها ودفاعها على إيجاد "نظرة مشتركة" لمستقبل العراق، بحسب وصفها.
مسؤولين في واشنطن اوضحوا للمجلة أيضا ان التحديات التي تقف امام واشنطن الان هي حاجة الحكومة العراقية الى "قوة إرادة كبيرة للتوجه نحو خيارات صعبة، من أهمها إعادة هيكلة المؤسسة الأمنية العراقية بالكامل التي ما تزال تعاني من انتشار الفساد والاعتماد الكبير على الدعم الأجنبي"، مضيفة، واشنطن ستطلب أيضا من السوداني "كبح جماح الفصائل المسلحة داخل العراق والتي تظهر نفوذا سياسيا واسعا على القوات الأمنية التي لا ياتمر الكثير من قادتها بامر السوداني وتستهلك جزء كبير من الموارد العراقية المخصصة للمؤسسة الأمنية"، ذات الامر بحسب المسؤولين الأمريكيين ينطبق على الإدارة في إقليم كردستان العراق والتي حولت قواته الأمنية الممولة أمريكيا الى "أدوات سياسية" تستغلها لمصالحها الخاصة ومساعيها للحصول على المزيد من الثروة والنفوذ"، على حد قولهم.
مخرجات الزيارة.. اتفاقية "360” درجة ومكافحة المنافسة للنفوذ الأمريكي داخل العراق
زيارة وزير الدفاع العراقي التي بدات في الثامن من أغسطس الحالي والتقى خلالها بنظيره الأمريكي لويد اوستن ومجموعة من القادة والساسة الأمريكيين افضت بحسب بيان لوزارة الخارجية الامريكية الى "اتفاق" على عقد مباحثات تهدف الى التوصل لــ "اتفاقية اطار استراتيجي جديدة" تحكم العلاقة بين واشنطن وبغداد بشكل أوسع من اتفاقية الاطار الاستراتيجية التي جددت في يوليو من العام 2021 بعد قرار بايدن انهاء الدور القتالي للقوات الامريكية.
بداية السياسة الامريكية الجديدة في العراق بحسب ما اشارت وزارة خارجيتها عبر موقعها الرسمي، تاتي عبر بيان واشنطن "اهتمامها البالغ بإقامة شراكة دفاعية دائمة ضمن اطار الشراكة الاستراتيجية مع العراق"، الامر الذي أكدته نائبة وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط دانا سترول.
المسؤولين الأمريكيين وصفوا المباحثات مع العراق بانها تهدف الى إقامة "شراكة بــ 360 درجة تغطي كافة جوانب العلاقة الامريكية العراقية ولسنوات قادمة" بحسب وصف سترول، التي اكدت أيضا نية واشنطن الشروع ببناء عمليات تدريب مشتركة واستضافة للضباط والقادة العراقيين للدراسة في الولايات المتحدة.
الخارجية الامريكية وفي اطار حديثها عن اتفاقية الــ "360" درجة الجديدة مع العراق، اكدت ان الحكومة العراقية ممثلة برئيس الوزراء محمد السوداني ومن خلال تواصله مع السفيرة الامريكية في بغداد الينا رومانسكي "أبدت اهتماما وانفتاحا كبيرين" في تطوير العلاقة بين البلدين الى مجالات أوسع من التعاون الأمني، واهمها التعاون الاقتصادي والتعاون في مجال التغير المناخي والاستقرار العام للبلاد، بحسب وصفها.
العوامل التي باتت "تشجع واشنطن" على إقامة اتفاقية الــ 360 درجة في العراق بحسب الخارجية، هو البحث في مرحلة ما بعد تنظيم داعش الإرهابي وانتفاء الحاجة للقوات الامريكية في البلاد، مشيرة خلال ذلك الى ان واشنطن باتت تحرص على إبقاء تواجدها ودورها في العراق بعد مرحلة القضاء التام على التنظيم، والذي بات قريب التحقق بحسب وصف قائد العمليات المشتركة للعزم الصلب الميجور جنرال مات مكفارلين، الذي اكد بحسب الخارجية ان أنشطة التنظيم الإرهابي انخفضت بنحو 64% خلال الفترة الماضية، الامر الذي يضع واشنطن امام تحدي رسم سياسة جديدة "حيوية" لابقاء "شراكتها" مع العراق.
الزيارة التي قام بها وزير الدفاع افضت الى مجموعة من الخطوات التي سيتخذها الجانبين للمرحلة القادمة، من إعادة هيكلة القوات العراقية والبيشمركة وحتى الاتفاق على وضع اللمسات الأخيرة لصفقة الثلاثمائة وستين درجة التي قالت الخارجية في بيان اخر انها ستعتمد على "مدى التهديد المتبقي من تنظيم داعش الإرهابي، متطلبات بيئة العمل، مستوى جاهزية القوات العراقية وبضعة عوامل أخرى" لم تذكرها، مؤكدة نيتها عقد الاتفاقية الجديدة مع الحكومة العراقية خلال الأيام القليلة المقبلة.
اتفاقية 360 منفصلة عن الإطار الاستراتيجي.. ملف التسليح من بينها
الخارجية الامريكية وخلال بيانها الختامي تحدثت عن ملف التسليح في العراق وتمويله من قبل الحكومة العراقية، مؤكدة ان الجانبين "بحثا توسعة" صفقات التسليح العراقية وتقديم "فرص تعليمية" للكوادر العسكرية العراقية في الولايات المتحدة، الحديث بين الجانبين حول ملف التسليح اتى بالتزامن مع مساعي العراق للتخلص من اسطول طائرات الاف 16 الامريكية واستبداله بطائرات رافال الفرنسية نظرا لــ "كلفة تشغيلها العالية ورفض الولايات المتحدة تجهيز العراق بالكوادر وقطع الغيار الضرورية لادامة اسطوله الجوي"، بحسب ما كشفت شبكة فوربس في تقرير نشرته الأسبوع الماضي، واكدت خلاله ان الصواريخ المخصصة للاشتباك الجوي لطائرات الاف 16 العراقية "معطلة" وترفض الولايات المتحدة إصلاحها او استبدالها.
الرفض الأمريكي للتعاون مع الحكومة العراقية لادامة اسطولها ومنحه القدرة على مواجهة الأهداف الجوية اعترف به تقرير للبنتاغون الأمريكي أكد ان الاف 16 العراقية تعمل بنسبة جهوزية لا تتجاوز 66% فقط، مؤكدة ان صواريخ أي ايه ام 7 سبارو المخصصة للاشتباكات الجوية والتي قدمت الى العراق تعاني من "عطل في نظام التوجيه وغياب لقطع الغيار الضرورية لصيانته"، الامر الذي حد بشكل كبير من قدرة العراق على حماية اجوائه، بحسب وصف الشبكة.
توجه الحكومة العراقية نحو استبدال طائرات الاف 16 الامريكية "تسبب بمضاعفة قلق الكونغرس الأمريكي" بحسب وصف الشبكة، الامر الذي دفع بتضمين بند للتسليح في الاتفاقية الجديدة التي تحاول تمريرها مع العراق، مؤكدة ان ملف التسليح وما يوفره من علاقة "فريدة من نوعها" بين العراق والولايات المتحدة بات يتعرض الى "منافسة شديدة" من قبل دول أخرى، أهمها فرنسا، روسيا، الصين وتركيا أيضا، بحسب وصفها.
التوسع في العلاقة مع العراق بشكل "جديد" عبر اتفاقية الثلاثمائة وستين درجة، ورغم انطلاقه كخطوة أولى من الملف الأمني ومحاولات الولايات المتحدة "إعادة هيكلة" القوات العراقية بشكل منفصل عن اتفاقية الاطار الاستراتيجي السابقة، سيتسع لاحقا ليشمل مجالات عدة أخرى "حيوية" بحسب ما اكدت سترول في حديث لشبكة صوت أمريكا الأسبوع الماضي.
سترول أوضحت أيضا ان القوات الامريكية "ستستمر بتواجدها في العراق ولكن ليس بالشكل الحالي الذي هي عليه اليوم"، متابعة "نحن نسعى الى شراكة دائمة وقوية مع العراق لا تقتصر فقط على التعاون العسكري والدفاعي، بل اطار استراتيجي عام وشامل"، بحسب وصفها.
من بين الملفات الأهم التي ستركز عليها الاتفاقية الجديدة بحسب سترول، هو الملف الاقتصادي، الامر الذي أكده مسؤولون في الخارجية الامريكية في حديث للشبكة دون ذكر هوياتهم، حيث اوضحوا لها "لمسنا من الشعب العراقي اهتمام بالاعمال، المنتجات والشركات الامريكية بعد افتتاح فروع برغر كينغ وسينابون في البلاد" الامر الذي وصفوه بالقبول الرمزي المهم لدخول الولايات المتحدة السوق العراقي بشكل واسع ومنافسة الشركات الأجنبية الأخرى في العراق واهمها الصينية والتركية.
تصريحات المسؤولين الأمريكيين اشارت الى نيتهم "استضافة" المزيد من المسؤولين العراقيين خلال الفترة المقبلة لتحقيق التنفيذ الكامل لاتفاقية 360 درجة التي وصفتها الخارجية الامريكية بانها ستكون "باطار منعزل عن اتفاقية الاطار الاستراتيجي الموقعة بين البلدين سابقا"، مشيرة خلالها الى ان السياسة الامريكية الجديدة في العراق، والتي انطلقت مع زيارة وزير الدفاع ثابت العباسي الى واشنطن، أصبحت تركز الان على "تحويل العراق الى شريك استراتيجي مستمر ومهم" للولايات المتحدة، ومواجهة المنافسة التي بات يتعرض لها الدور الأمريكي بعد "فترة الجماد" في السياسة الخارجية التي عانت منها خلال السنوات الأخيرة.
ما هو مؤكد حتى الان بحسب المعلومات، ان فترة الجمود التي تحدثت عنها وسائل الاعلام الامريكية في علاقات واشنطن مع العراق قد انتهت، حيث أوضحت واشنطن وبشكل لا يقبل الجدل انها "مهتمة بشكل غير مسبوق" بالملف العراقي ولا تنوي الانسحاب منه عقب الانباء التي تحدثت عن "اهمالها" الملف العراقي لصالح الصراع في أوروبا والحرب الدائرة حاليا بين أوكرانيا وروسيا، لتعلن من خلال بياناتها الرسمية الأخيرة، تفعيل مرحلة جديدة من النفوذ الأمريكي داخل البلاد عبر الاتفاقية الشاملة، امر اوضحته سترول بشكل علني بعد تاكيدها لصوت أمريكا "ان المنافسة من روسيا، الصين وتركيا، جعلت من الحيوي والضروري جدا لواشنطن إقامة الحوار الحالي مع العراق حول الاتفاقية الجديدة والعمل على اطار يضم الصورة الشاملة للتعاون بين البلدين"، بحسب وصفها.
