الجيد و السيء و القبيح في اغتيال سليماني.. مراكز بحثية أجنبية تكشف نتائج الإغتيال
المضامين التي صدرت عن وسائل الاعلام الأجنبية ومراكز التحليل والدراسات وخصوصا الامريكية، انقسمت بين من يرى بعملية الاغتيال "ضرورة" لحماية الامن القومي الأمريكي وتواجد قواتها ومصالحها في الشرق الأوسط، وأخرى رات فيه "خرقا غير مسبوق" للقوانين الدولية وبوابة ستفتح على العالم "نوع جديد" من الحرب الباردة تكون الولايات المتحدة فيه المسؤولة عن خلقه.
بين الانتقادات التي وجهت لادارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن قراره، والتأييد الذي حظي به، وعوتها مرة أخرى الى الواجهة مع حلول الذكرى السنوية لحادثة الاغتيال، تتجه السلطات الإيرانية وبحسب ما كشفت وسائل اعلامها، الى اتخاذ "إجراءات" قالت انها بدات بها لــ "الانتقام" لعملية اغتيال سليماني.
تباين تلك الإجراءات بين تقارير تتحدث عن نية السلطات الإيرانية الرد عبر "عمليات اغتيال تطال مسؤولين أمريكيين" وأخرى تؤكد بان الرد الإيراني سياتي من خلال "تحرك قانوني دبلوماسي يأخذ بنظر الاعتبار استمرار استقرار المنطقة"، اظهر تبعات واسعة ليس فقط على السياسة الامريكية والإيرانية، بل العراقية أيضا، بحسب ما بينت شبكة ان بي ار الأمريكية.
أسباب الاغتيال.. العملية قادت الى "نتيجة عكسية"
شبكة ان بي ار الامريكية، وخلال مقابلة أجرتها مع الباحث في معهد كارنيغي للبحوث كريم ساجدابور في الثالث من يناير الحالي، كشفت، بان الولايات المتحدة، وبالتحديد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اتخذت قرارها باغتيال الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق أبو مهدي المهندس، بناء على "معلومات" لم يتم التحقق من دقتها حتى اللحظة.
الباحث في المعهد أوضح "ان الدور الإيراني في استهداف القوات الامريكية ليس بالخفي، فقد نسقت من خلال سليماني العديد من الهجمات حول الشرق الأوسط ضد التواجد الأمريكي في المنطقة، وبين الحديث عن أسباب عدة من بينها قلق دونالد ترامب من محاولة اقتحام السفارة الامريكية من قبل متظاهرين تم تنسيق هجومهم على السفارة من قبل سليماني وتكرار سيناريو الرهائن في السفارة الامريكية في طهران عام 1979، وبين واقع ان سليماني نجح في اذلال ترامب، فان الأسباب الفعلية ما تزال قيد الترجيح"، بحسب وصفه.
وتابع "قلق الولايات المتحدة من وجود خطط لدى المهندس للتصعيد من الهجمات والاستهداف الذي يقوم به للمصالح الامريكية في العراق والمنطقة، تصاعد بعد ثبوت تحركات إيرانية تهدف لاستفزاز الولايات المتحدة ودفعها الى العودة لطاولة المفاوضات النووية بعد انسحاب ترامب من تنفيذ الصفقة التي كانت بين واشنطن وحلفائها، وطهران".
معهد كارنيغي اكد من خلال متحدثه، ان حديث إدارة ترامب عن "تامين المصالح والقوات الامريكية في العراق والمنطقة" من خلال تنفيذ عملية الاغتيال، قاد الى "نتيجة عكسية"، مشددا "على الرغم من التغير الكبير في ديناميكية المنطقة عقب عملية الاغتيال، الا ان النتيجة المباشرة أدت الى زيادة الاحتقان والتوتر ووضعت ذات المصلاح والقوات الامريكية تحت المزيد من الخطر".
"جيفارا" الشرق خطر عليه.. الولايات المتحدة فتحت "بابا" غير مسبوق
تصريحات المسؤول في المعهد اكدت ان عملية الاغتيال التي ارتكبتها إدارة ترامب لم تقد فقد الى نتيجة عكسية على مستوى امن واستقرار المنطقة، الا انها "خلقت جيفارا الشرق" في إشارة الى سليماني، معلنا "اهداف ايران ومساعيها في الشرق الأوسط والمنطقة وايدلوجيتها كذلك، لم تتاثر بمقتل سليماني، بل على العكس، باتت تستخدمه كوسيلة دعائية وإعلامية لتحشيد المزيد من التاييد عبر العالم العربي والإسلامي".
الخطر الذي مثله سليماني على المنطقة، استمر وربما تضاعف، بحسب المعهد، بعد عملية الاغتيال، التي أشار كريم الى انها قد تكون مدفوعة بــ "سخط شخصي لدى ترامب" وليس بدوافع سياسية واستراتيجية قويمة تأخذ بنظر الاعتبار تبعات العملية وتاثيرها على الولايات المتحدة والعالم.
صحيفة ذا هل الأمريكية، وفي تقرير نشرته في الثالث عشر من يناير عام 2020، وصفت الفعل الأمريكي بانه "سابقة أولى من نوعها تنذر بنوع جديد من الحرب الباردة في العالم، لم يسبق وان وقعت حتى خلال الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي".
التقرير اكد أيضا، ان الفعل الأمريكي والذي يبدوا "قاسيا ومتسرعا وغير مسؤول"، فتح بابا جديدا على العالم ستكون الولايات المتحدة من اكبر المتضررين منه، بحسب وصفها، مؤكدة "سليماني كان مسؤول رسمي له شخصية معنوية يتبع بلادا شرعية، ويقوم بزيارة دبلوماسية رسمية الى العراق حيث كان ينوي بحث تطوير العلاقات السعودية الإيرانية، حيث لم يسبق في التاريخ الأمريكي ان تقدم واشنطن على اغتيال مسؤول رسمي".
وتابعت "هنالك سبب وراء امتناع الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق عن اغتيال المسؤولين الرسميين في الحرب الباردة التي وقعت بينهم، هذا الفعل قاد الى سابقة خطيرة جدا ستؤدي في النهاية الى إيجاد المسؤولين الأمريكيين انفسهم في خطر الاستهداف بالاغتيال أيضا".
تاثيرات الاغتيال لم تتوقف فقط عند التهديد بــ "حرب اغتيالات بين الطرفين واطراف أخرى متاثرة بالصراع في المنطقة"، بل تركت أيضا "فراغا غير مسبوق في العراق، حيث فقدت الفصائل العاملة في البلاد العقل المدبر لها، والذي كان ينسق أهدافها طويلة الأمد، ويحافظ على ابقائها تحت السيطرة، الامر الذي لن يستمر في المستقبل"، بحسب توقعاتها.
الفعل الأمريكي والذي قالت الصحيفة انه "لا يستند الى أي منطق استراتيجي" مؤكدة ان إدارة ترامب "زادت من المشاعر السلبية والرغبة بالانتقام وادت الى تشويش السياسة الامريكية في المنطقة لتقود بالنتيجة الى المزيد من الفوضى بشكل عام".
جون بولتون بدلا عن سليماني.. وترامب "اختبا" خوفا من محاولة اغتياله
تبعات ما تحدثت عنه صحيفة ذا هل عن فتح باب جديد للاغتيالات التي تطال الشخصيات الرسمية، أكده في وقت لاحق معهد وارسو، خلال تقرير كشف خلاله عن وجود معلومات أمريكية تتحدث عن نية طهران شن عملية اغتيال تطال مستشار الامن القومي الأمريكي خلال حقبة ترامب جون بولتون.
المعهد الذي اكد ان بولتون كان احد الأسباب الرئيسية التي قادت الى اغتيال سليماني من خلال اقناع ترامب بتنفيذ الضربة، اختير من قبل الحرس الثوري الإيراني لاغتياله من خلال جندي باسم شارام بوصافي، وبمقابل مبلغ 300 الف دولار امريكي لتنفيذ العملية.
وعلى الرغم من عدم تنفيذ عملية الاغتيال ضد بولتون حتى اللحظة بحسب المعهد، فانه قد اعرب في وقت سابق عن اصابته بــ "الحرج" بسبب المبلغ الضئيل الذي عرض مقابل حياته، لكن المعهد شدد، على ان عملية الاستهداف لم تتوقف عند بولتون، ولم تنتهي حتى الان.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان له حصة أيضا من القلق حول تعرضه للاغتيال نتيجة لقراره، حيث كشفت صحيفة ذا انسايدر الأمريكية في تقرير نشرته في الثامن عشر من سبتمبر العام الماضي، عن ان ترامب "اختبا" لايام خوفا من تعرضه للاغتيال على يد الإيرانيين كرد فعل على قراره.
صحيفة الغارديان البريطانية، اكدت أيضا حصولها على معلومات حول "خوف ترامب" من تعرضه لعملية اغتيال واستمرار ذلك الخوف حتى بعد خروجه من المنصب، مؤكدة "على الرغم من تبجح ترامب بتنفيذ العملية، الا انه كان يعاني من قلق وخوف مستمر من تعرضه للاغتيال نتيجة فتح باب استهداف المسؤولين الرسميين على الصعيد الدولي بعد اغتياله سليماني".
الانسايدر اكدت أيضا ان الإيرانيين "ما يزالون مستمرين" في تهديداتهم وعملهم نحو اغتيال شخصية رفيعة المستوى ضمن السلطات الامريكية كرد انتقامي مباشر على الفعل الأمريكي، امر أكدته أيضا صحيفة الجيروسليم بوست الإسرائيلية، التي قالت انها حصلت على تقرير "حصري" خلال يوليو العام الماضي، يتحدث عن تخطيط ايران فعليا لتنفيذ عمليات اغتيال ضد مسؤولين أمريكيين، ما تزال مستمرة حتى اليوم.
التقرير الذي حصلت عليه الصحيفة، والمعنون بــ "ليس للتداول العام" و"للاستخدام الرسمي فقط"، أورد بضعة أسماء توقع ان تتعرض لمحاولة اغتيال خلال العام الحالي 2023، ومنهم القائد السابق للقيادة الامريكية الوسطى الجنرال كينث مكينزي، والذي تقاعد من منصبه العام الماضي وعاد الى الولايات المتحدة، مشيرة الى تعرضه لخطر الاغتيال نظرا لسهولة الوصول اليه ضمن حياته المدنية، بالمقارنة مع المسؤولين الاخرين.
الجيد والسيء والقبيح في اغتيال سليماني.. الكاظمي ضمن "قائمة الأهداف المحتملة"
صحيفة ذ هل وفي تقريرها، أعلنت بان اغتيال سليماني حمل معه خصائص "الجيد والسي والقبيح" من التبعات على العالم والعراق والولايات المتحدة بشكل خاص، موضحة، ان واشنطن نجحت في "التخلص" من شخصية "عبقرية" تمكنت من استهدافها بشكل مستمر دون تمكنها من ردعه بشكل مباشر، لكنها في ذات الوقت وعلى الجانب السي، خلقت منه "رمزا" تستخدمه السلطات الإيرانية ليس فقط لتهديد الولايات المتحدة، لكن لتحشيد الاتباع والمؤيدين أيضا.
اما عن الجانب السيء، فقد اكدت الصحيفة ان للاغتيال "اثرا كبير وقبيح" على الأوضاع في العراق، من خلال الشاغر الذي تركه سليماني وبات يؤثر على استقرار المنطقة والعراق خصوصا وبشكل كبير مع فقدان السيطرة على الفصائل المسلحة المتواجدة في البلاد، تلك التبعات ترجمت الى مشاكل سياسية محلية.
تلك المشاكل، عبرت عنها صحيفة ذا كشمير اوبسرفر في تقرير نشرته في الخامس عشر من ديسمبر العام الماضي، مؤكدة، ان رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، موضوع الان على "قائمة الأهداف المحتملة لتصفيتها من قبل ايران كانتقام لمقتل سليماني".
الصحيفة بينت، ان الكاظمي تحت دعوتين قضائيتين، تتضمن الأولى دوره في قضية "سرقة القرن"، ودوره في "اغتيال الجنرال قاسم سليماني"، مؤكدة، ان الكاظمي "يختبئ" الان في السفارة الامريكية بعد سحب القوات العراقية المسؤولة عن حماية منزله من قبل حكومة السوداني.
الدور الإسرائيلي والتحركات الإيرانية الحالية.. الفصائل باتت "تعزز وجودها"
اخر المعلومات حول عملية الاغتيال كشفت عنها شبكة الاسوشيتد برس خلال ديسمبر من العام 2021، مع تاكيدها وجود "تورط إسرائيلي" في تنفيذ العملية من خلال قيام استخبارات الجيش بتقديم المعلومات المتعلقة بدخول سليماني الى العاصمة بغداد، ومنح الجانب الأمريكي ارقام هاتفه التي مكنت الطائرة المسيرة الامريكية من استهدافه.
تلك المعلومات والتي اكدها الجنرال تامر هيمان، مدير استخبارات الجيش الإسرائيلي، واصفا خلالها عملية الاغتيال بانها "اهم نقطة في مسيرته الوظيفية"، ضاعفت من التبعات السلبية للاغتيال بحسب ما أوردت مجلة البولتيكو الامريكية، التي قالت ان الاغتيال "بدلا من اضعاف الفصائل المسلحة في العراق، بات يعزز من تواجدها".
تعزيز تواجد الفصائل المسلحة في العراق مستخدمة اغتيال سليماني كاداة سياسية، وبحلول الذكرى السنوية لحادثة الاغتيال، قادت الجانب الإيراني الى اتخاذ مجموعة من الإجراءات بالتزامن مع الذكرى تستهدف الولايات المتحدة، حيث أعلنت الخارجية الإيرانية بحسب وكالة مهر نيوز الإيرانية، انها سترسل وفد الى العراق الأسبوع المقبل لانهاء الاستعدادات مع العراق عبر لجنته المشتركة لرفع دعوى قضائية ضد واشنطن بقضية الاغتيال، الامر الذي سيقود الى تدهور العلاقات بين واشنطن وبغداد خصوصا خلال فترة العقوبات غير الرسمية التي فرضها الاحتياطي الفدرالي الأمريكي على السلطات العراقية بسبب تهريب الدولار الى ايران وبحسب ما بينت المطلع في تقرير سابق.
طهران اكدت أيضا، وبحسب وكالة شينخوا الصينية، وضع ما يزيد عن ستين مسؤول امريكي على القائمة السوداء للارهاب، تهيئة لاستهدافهم بمجموعة من "العقوبات" مع التلويح بعمليات الاغتيال كاحد أدوات "الانتقام"، وبحسب ما بينت شبكة برس تي في الإيرانية في الثالث من يناير الحالي، من خلال تقرير وصفت خلاله عملية الاغتيال بانها "فعل إرهابي".
السلطات الإيرانية، تقربت من الجانب السعودي أيضا استعدادا لما تشير وسائل الاعلام الأجنبية الى كونه تهيئة لتحرك إيراني يستهدف المصالح الأمريكية، حيث اكدت مهر نيوز في خبر اخر نشرته في الثاني من الشهر الحالي، ان نائب الرئيس الإيراني محمد حسيني، التقى بوزير الخارجية السعودية فيصل بن فرحان، واكد له وجود رغبة بإعادة المفاوضات بين الجانبين عبر الوساطة العراقية لحل "المشاكل العالقة بين الطرفين خطوة بخطوة".
حتى اللحظة، ومع استمرار صدور التهديدات الإيرانية من المسؤولين بقرب "الانتقام لمقتل سليماني"، ما تزال السلطات الإيرانية غير واضحة في الإجراءات التي تنوي اتخاذها بحسب شبكة ان بي ار الامريكية، والتي استبعدت ان تنتهي او تتراجع نسبة الاحتقان بين الطرفين الأمريكي والإيراني في أي وقت قريب، على حد تعبيرها.
