الصياد الأرضي الإيراني.. كيف تمكنت طهران من إسقاط المقاتلات الأمريكية؟
في تلك الثواني التي تسبق الضربة، يبدو كل شيء على ما يرام. يطير الطيار بثقة في المقاتلة التي بنيت لتتفادى الرصد، يتابع مساره بصمت محسوب، ويظن أن التهديد بعيد عنه. وفجأة يبدأ في سماع نغمة حادة ومقتضبة تتكرر داخل الخوذة، وتتزاحم الرموز على الشاشة أمامه. وفي غضون لحظات يتغير كل شيء دفعة واحدة، حين يتبين أن هناك إشارة رادارية تحذر من اقتراب صاروخ.
ثم تأتي الضربة، رجفة عنيفة تشبه لكمة هائلة في جانب الطائرة، يتبعها اختلال مفاجئ في التوازن، ووميض على أطراف الرؤية، تغييرات تتحول معها المقاتلة من آلة دقيقة تستجيب لأدق حركة، إلى جسد مصاب يقاوم الهواء بصعوبة، وتظهر رسائل الأعطال تباعا، من خلل في أحد الأنظمة، إلى تراجع في التحكم، إلى ارتفاع الحرارة حول المحرك، وربما فقدان الاستجابة.
وفي تلك اللحظة يفهم الطيار أن الخطر لم يعد احتمالا على شاشة، بل حقيقة واقعة تقول إن أحد عناصر شبكة الدفاع الجوي نجح في عبور طبقات الحماية كلها، وأن المهمة التي بدأت كطلعة محسوبة فشلت، عليه الآن أن يشد ذراعا أسفل الكرسي الخاص به، لينطلق للأعلى ويترك الطائرة تواجه مصيرها نحو السقوط.
هذا باختصار ما يحدث للطائرة المتطورة حين تتلقى إصابة مباشرة بأحد الصواريخ الدفاعية، ولعله ما حدث تماما لقائدي الطائرة المقاتلة الأمريكية التي أسقطتها الدفاعات الإيرانية، الجمعة. ففي تصعيد لافت، أعلن الحرس الثوري الإيراني في البداية إسقاط مقاتلة أمريكية متطورة من طراز "إف-35" (F-35) فوق محافظة مركزي وسط البلاد، قائلا إن الدفاعات الجوية أصابت الطائرة إصابة مباشرة أدت إلى تدميرها بالكامل وتفككها عند السقوط، بينما بث التلفزيون الإيراني صورا قال إنها لحطام المقاتلة التي أُسقطت قبل إتمام مهمتها.
وبعد ساعات من تداول وسائل إعلام أمريكية أنباء عن سقوط الطائرة وإنقاذ أحد طياريها، أقر الجيش الأمريكي بوقوع الحادثة، لكن التقارير الأمريكية أكدت أن المقاتلة المدمرة من طراز "إف-15 إي سترايك إيغل" (F-15E Strike Eagle)، وأن الجيش الأمريكي أطلق عملية للبحث عن طاقمها.
تلا ذلك الإعلان عن سقوط طائرة أخرى هجومية من طراز "إيه-10" (A-10) قرب مضيق هرمز، فضلا عن إصابة مروحية طراز "بلاك هوك" (Black Hawk) بنيران إيرانية أثناء مشاركتها في عملية البحث عن طاقم الـ"إف-15″ داخل إيران، لكن دون وقوع إصابات في صفوف طاقمها.
يأتي ذلك بعد أسبوعين تقريبا من إعلان الإيرانيين إصابة مقاتلة من طراز "إف-35" (F-35)، فيما أفادت مصادر مطلعة للصحافة الأمريكية بأن المقاتلة المتطورة اضطرت إلى تنفيذ هبوط اضطراري في قاعدة جوية أمريكية، بعد تعرضها لما يعتقد أنه نيران إيرانية أثناء مهمة قتالية فوق إيران. ويكتسب هذا الحادث أهمية خاصة لأن طائرة "إف-35" تعد من أكثر المقاتلات الأمريكية تطورا وكلفة، إذ يتجاوز سعر الواحدة منها 100 مليون دولار.
لكن السؤال الأهم يتعلق بتكرار حوادث إصابة واستهداف الطائرات المقاتلة الأمريكية في الأجواء الإيرانية مؤخرا، والذي يتناقض مع نظرية "السماء الإيرانية المفتوحة" التي روجتها الولايات المتحدة وإسرائيل منذ بدء الحرب، ومزاعم واشنطن النجاح في تدمير الدفاعات الإيرانية تماما، قبل أن تجد الطائرات نفسها فيما يشبه "مصيدة جوية" غير متوقعة. وهو ما يقودنا للحديث عن الدفاع الجوي الإيراني الذي يبدو أنه يقدم أداء أقوى مما كان متوقعا منه قبل بدء الحرب، وفي أيامها الأولى.
