بين جحيم الحدود وحلم اللجوء.. المهاجرون العراقيون يعلقون بقوانين جائرة على تخوم أوروبا
يعاني المهاجرون غير الشرعيين العالقون في الحدود بين بيلاروسيا وبولندا من ظروف إنسانية صعبة يرافقها المعاملة السيئة من حراس الحدود في كلا الدولتين.
ويعيش ما بين 3 آلاف 4 آلاف مهاجر بعضهم من العراقيين في طقس شديد البرودة وصل حد التجمد، ويسكن هؤلاء في مخيمات مؤقتة داخل الغابات الحدودية، ويفتقدون لمقومات الحياة مثل الماء وحليب الأطفال، ولا يجدون سبيلا للدفء إلا بالتحلّق حول مواقد النار التي يشعلونها.
ويقول ابراهيم عبد الجبار وهو من المهاجرين العالقين "نعاني البرد والجوع والعطش منذ أشهر هنا، اوضاعنا صعبة للغاية، محاصرون لا نعرف المصير الذي ينتظرنا في ظل غياب الانسانية لحرس حدود الدولتين".
الأمل في الهجرة يتبدد
وهاجر عبد الجبار من العراق أملا في حياة هادئة بإحدى الدول الأوروبية لكنه يقول اليوم انه لم يتوقع يصل به الامر الى هذا السوء حيث لا أمل بالبقاء على قيد الحياة، ويذكر "هاجرنا هاربين من العراق بعدما تقطعت بنا السبل ولم نكن نعلم باننا خارجين من جحيم لجحيم أكثر فتكا".
وتتهم دول الاتحاد الأوروبي بيلاروسيا بإغراء المهاجرين للقدوم صوب الحدود مع بولندا، انتقاما من العقوبات المفروضة عليها.
ويأتي المهاجرون إلى بيلاروسيا أولا عن طريق تأشيرة سياحة، وعادة من يتوقفون في العاصمة مينسك قبل أن يواصلون طريقهم صوب الحدود مع بولندا، التي تعني الحدود مع الاتحاد الأوروبي.
وتظهر أرقام الوكالة الأوروبية أن أكثر المهاجرين العالقين هناك قادمون من دول العراق وأفغانستان وسوريا والكونغو وروسيا.
وفي وقت سابق أظهرت لقطات جنودا بيلاروسيين وهم يطلقون النار على المهاجرين، الذين دب الذعر في قلوبهم، خاصة النساء منهم، وكان هؤلاء يسعون لعبور الحدود مع بولندا، وعلى إثر انتقادات أوروبا لها عززت بيلاروسيا قوات حرس الحدود لديها عبر نشر آلاف من الجنود الإضافيين.
ووسط الخلاف بين المفوضية الأوروبية وتركيا بشأن أزمة الهجرة على الحدود البولندية البيلاروسية، أعلنت الخطوط الجوية التركية، فرض حظر على مبيعات التذاكر لمواطني دول معينة، بما في ذلك العراق وسوريا، للرحلات الجوية إلى بيلاروسيا.
غياب الامن والخدمات
ويقف سكرتير الاتحاد العام للاجئين العراقيين دشتي جمال في حديث خص به المطلع عند الأسباب التي دفعت بالعراقيين الى الهجرة وتحمل صعاب كثيرة لنيل حلم الاستقرار في أوروبا. ويقول ان غياب الامن وانعدام الخدمات بالإضافة الى انتشار السلاح والصراعات السياسية دفعت العديد من المهاجرين لترك كل ما يملكوه والالتحاق بركب عبارات الهجرة غير الشرعية مقابل اموال في العادة هي حصيلة بيعهم عقاراتهم او ممتلكاتهم او ربما حتى عن طريق الاستدانة ليخوضوا في بحر المجهول برحلة لا تعرف عواقبها ما اذا كانت ستنجح او تنتهي بالغرق او العلوق على الحدود، واشار الى ان الامر لم يقتصر على وسط وجنوب العراق الذي يعاني من ازمات سياسية وخدمية مستمرة.
ويشمل الامر حتى اقليم كردستان الذي يشهد استقرارا نسبيا حيث تعلل عضو الاتحاد الوطني الكردستاني الا طالباني في حديث خصت به المطلع هجرة الاف الكرد من الاقليم والتوجه نحو المجهول هو بسبب الفساد المستشري في كردستان بالإضافة الى البطالة وارتفاع الاسعار وسيطرة المتنفذين على خيرات الاقليم، بالإضافة الى استخدام القوة والترهيب لإسكات من يطالب بحقوقه في الاقليم.وقد اكدت في وقت لاحق الا طالباني في تغريدة لها ان الاقليم يصدر يوميا الاف براميل من النفط و ان خيرات كردستان تذهب في جيوب البعض المسيطر بالقوة و الترعيب و في بنوك الدول الجوار معتبرا ان كل من ينتقد السلطات في كردستان يتم اتهامه بانه بالضد من الاقليم ؟؟
وبحسب مصادر محلية فان السطات الكردية في اربيل بدات بقمع جميع الاصوات التي انتقدت اداء السلطة خلال الفترة الماضية كما تم اغلاق وسائل اعلام محلية و تهديد عددا من الصحفيين الذين انتقدوا اسلوب تعامل السلطات الكردية مع اللاجئين في بلاروسيا بعد ان تم حجب و عدم تغطية الاخبار المتعلقة باللاجئين في بلاروسيا من المواقع و وسائل الاعلام الكردية .
وعود بمعالجات جذرية
حكومة كردستان العراق دخلت على خط الأزمة بالتأكيد على أنّها تعتزم معالجة "الأسباب الجذرية" للمشاكل التي تدفع أبناء الاقليم للهجرة، وقال المتحدث باسم الحكومة الكردية جوتيار عادل، إنّ من بين العوامل التي تدفع شباب كردستان العراق إلى الهجرة "مشاكل الأمن الإقليمي والركود العالمي". وأضاف أنّ "حكومة إقليم كردستان ملتزمة بمعالجة الأسباب الجذرية لهذه الظاهرة" وستشكّل لجنة مكلّفة تقديم توصيات للحكومة، مشددا على أنّ حكومة الإقليم "ستواصل تطبيق الإصلاحات الرامية إلى خلق مزيد من الوظائف للشباب وتحسين مستوى المعيشة لكل الناس في منطقة كردستان".
وفي الأثناء، أكد رئيس لجنة العلاقات الخارجية في برلمان كردستان، ريبوار بابكيي أن هناك محاولات لإعادة المهاجرين، مع أن بعضا منهم لا يريدون ذلك، مضيفا انهم يحاولون قطع الطريق على المهربين الذين يخدعون الناس، مشيرا لتشكيل لجنة لدراسة الموضوع.
ومنذ نحو ثلاثة أشهر، غادر آلاف الشباب مدن الإقليم، 1600 منهم توجهوا إلى بيلاروسيا، وفق إحصاءات جمعية اللاجئين الكردستانية التي تؤكد بأن أغلب المهاجرين من الشباب، وبينهم أيضا أطفال ونساء وكبار في السن، ذهبوا بتأشيرات سياحية.
وفي آب الماضي أعلنت بغداد وقف رحلاتها الجوية إلى بيلاروسيا إثر مقتل عراقي في تلك البلاد، وجاء قرار السلطات العراقية بعدما طالب مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، بغداد بتفسير تزايد الرحلات الجوية إلى مينسك، الأمر الذي تزامن مع ارتفاع نسبة عبور العراقيين بشكل غير شرعي إلى داخل الاتحاد الأوروبي.
تنسيق وتواصل للعودة
ومع تفاقم الأزمة قالت بغداد انها ستعيد المهاجرين العراقيين الراغبين بالعودة إلى بلادهم من بيلاروسيا خلال الأيام المقبلة، حسبما أكد الناطق باسم الخارجية العراقية أحمد الصحاف الذي أوضح ان البلاد لا زالت حتى هذه الساعة توثق أسماء الراغبين بالعودة الطوعية.
وقال ان سفارة العراق في موسكو بدأت بتسجيل الراغبين بالعودة الطوعية للعراق في خطوة تأتي استعدادا "لاكتمال الأعداد الخاصة برحلة ستتوجه من مينسك إلى العراق خلال الأيام القليلة القادمة".
ويأتي ذلك بينما أوضح وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين انه وجه سفارات العراق في موسكو وفي بولندا بأن توفد كوادر دبلوماسية إلى بيلاروسيا والشريط الحدودي الممتد بين ليتوانيا ولاتفيا وبيلاروس باتجاه بولندا للوقوف على أعداد العراقيين هناك والاطمئنان على سلامتهم والتنسيق والتواصل مع السلطات المعنية في تلك البلدان.
فيما يذكر ان العراق أعلن سحب رخصة عمل القنصل البيلاروسي الفخري في بغداد وقال ان هذه الخطوة "تأتي لحماية المواطنين العراقيين من شبكات تهريب البشر عبر روسيا البيضاء وبولندا".
طائرات لنجدة العالقين
وتذكر وزارة الهجرة والمهجرين من جهتها انه لا يمكن حصر اعداد العالقين على الحدود البيلاروسية خصوصا وان الاعداد ما تزال في تزايد مستمر، ولا توجد اي احصائية ثابتة لغاية الان الا ان الاعداد يمكن حصرها ما بين ألف الى الفي مهاجر غالبيتهم العظمى من اقليم كردستان العراق.
ويحذر المسؤولون من مغبة استمرار موجات النزوح هذه في ظل الاوضاع الانسانية التي يعانوها بالأساس العالقون هناك، وأطلقوا دعوات الحكومة العراقية وبالخصوص لوزارة الخارجية لاتخاذ موقف جاد لتدارك هذه الازمة وتسهيل عودة الراغبين بالعودة وتقديم التسهيلات للرافضين مع التنسيق مع الجانبين البيلاروسي لتوفير على الاقل مخيمات تخفف من اعباء البرد والجوع.
ويؤكد علي عباس جهاكير المدير العام لدائرة شؤون الفروع في وزارة الهجرة في حديث للمطلع ان الكثير من المهاجرين يتعاملون مع مهربين وأشخاص غير رسميين وغير معتمدين بين الدول، لكن ورغم ذلك فإن الحكومة العراقية تتابع وضعهم وحالتهم من خلال وزارة الخارجية، حسب تأكيده، مستدركا بأن "الوضع غير محسوم".
ونفى جهاكير أن يكون سبب الهجرة هو سوء الأوضاع في العراق، مؤكدا أن أوضاع البلاد جيدة ولكن هؤلاء المهاجرين لديهم خططهم المستقبلية الخاصة ويحاولون الحصول على فرص معيشية أفضل.
ليبقى مصير المئات من العالقين بين جحيم الحدود والعودة الى ارض الوطن الذي فرط بأبنائه وفردوس رسموها في مخيلتهم قد ينهي حياتهم طريقها المستعصي والذي بات شبه مستحيلا.
