علي وجيه يكتب: ننسى الضحيّة ، ونمضي..!
الكاتب: علي وجيه
مرَّةً، طلب منّي أحدُ أساتذتي غير المباشرين، وهو تدريسيّ في السوربون، مصادرَ رسميّة عن حقبة الديكتاتوريّة العراقية، وتحديداً: إصدارات الدوائر الرسمية مثل "هيأة المساءلة والعدالة" و"مؤسسة السجناء السياسيين" و"دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية"، وغير ذلك، ولحسن الحظ لديّ صديق كريمٌ يعمل في إحدى هذه الدوائر، وفرحَ حين عرف أنّ منشورات الدوائر هذه من الممكن أن تكون مصادرَ في كتابٍ مهمّ، لكاتب مهمّ (لم يصدر حتى الآن لذلك لم أشر للمؤلِّف والمؤلَّف).
قدمَ الصديق بصحبة كيس ورقيّ، وقال: هذه كلّ إصداراتنا. لصِغر الكيس ظننتُ أنّ بداخله أقراصاً ليزريّة مثلاً، لكن كلّ ما كان قد أُصدِرَ في تلك الفترة (٢٠١٥ تقريباً) هي مجموعة كُتيّبات، لا تتجاوزُ أعداد صفحاتها جميعاً ٤٠٠ صفحة، أي بمعنى: أنّ هناك كتاباً عن "جريمة تجفيف الأهوار" بأقل من ١٠٠ صفحة، فيما حظت الجريمة المنظمة ضدّ الكرد الفيليين بعدد مشابه، وحتى المقابر الجماعية، بكل هذا العنوان العريض لم تتجاوز أكثر من ١٤٠ صفحة.
مرّت سنوات صدّام المرّة، لكنّ العقل السياسي العراقيّ لم يكن يعبأ بأن تكون فعلاً هناك أرشفة لِما فعل صدّام، لعدم تكراره مثلاً، ولتعليم الأجيال الجديدة ما يمكن تعليمه، اجتثّ البعث بطريقة مضحكة، ثأرية، ثمّ عاد لأقذر عناصره ليفيد منه بصناعة نظامه الفوضويّ، في حين كانت دعايات أحزابه السياسيّة هو الوقوف "ضد البعث" و"ضد الإرهاب"، الذي تحالفت ذات أحزابه مع أسماء دعمت الإرهاب بشكلٍ واضح، ثمّ مارست تلك الأحزاب الإرهاب المنظّم ضدّ الاحتجاج في مختلف سنينه.
عدا التماعات هنا وهناك، كلّ شيء يُنسى، كما أن العقل الجمعي العراقي تعرّض لصعقات متتالية، فمَن يريد أن يفكر بالحرب العراقية – الإيرانية وأرشفتها، لم يستطع ذلك بسبب الانتفاضة الشعبانية وقبلها غزو الكويت، ومَن فكّر بهذه لم يستطع أرشفتها بسبب الحصار الاقتصادي، ثمّ تصاعد الإيقاع بعد ٢٠٠٣، ليكون جلّ التفكير الشعبي والثقافي هو المضيّ بسلام في كلّ ٢٤ ساعة.
رغم أن هذه المؤسسات أنفقت على ذوي الشهداء والمساجين السياسيين مبالغ عملاقة، إلاّ أنها لم تستعن بالأكاديمية العراقية والكتّاب لتأليف ما يُمكن تأليفه عن تلك الحقبة، ثم جعله أمام العيون العراقية، بل أنّ بعض السياسيين الذين تفاخروا بأنهم يمتلكون "حبل مشنقة صدام" مثل السياسي موفق الربيعي، كان يغطّيه بشرشف أبيض حين يزوره رؤوساء قبائل من المكوّن السني، ويظهره حين يزوره الشيعة أو الكرد!
انتهى صدّام بلا وثائقيّات، بلا داتا معلوماتيّة لتبيان جرائمه، ثمّ عاد النظام السياسي هذا ليرتكب سلسلة أخطاء كبرى هي من صميم تلك المناهج التي سار عليها الديكتاتور الأقسى في ٤ عقود تقريباً من تاريخ العراق المعاصر، حتى وصلنا مرحلةً تشاهد فيها شبّاناً عراقيين صغاراً، من بيئة شيعية مثلاً، وهم يترحمون على صدّام، وحتى إن كان الترحّم لأسباب عاطفية، جاهلة، قليلة المعلومة، لكن ذلك لم يكن لولا أنّهم لم يحظوا بخطاب إعلامي وطنيّ يقول لهم "هذا ما حدث"، أو سلوك سياسيّ مختلف عن سلوك صدّام.
ينتج اليهود في العالم، أفلاماً مستمرة عن الهولوكوست، منذ حدوثها إبّان الحرب العالمية الثانية، حتى هذا العام، كلّما بحثتَ ستجد فيلما عن تفصيلة ما، هم طبّعوا الدماغ العالمي مع هذا، لكنك تحتاج إلى جهد كبير لإقناع مراهق قُتل عمّه على يد صدام بأن صدّام مجرم!
أخذتُ الظرف الورقيّ من صديقي الكريم، وخجلتُ أن أرسله لأستاذي في السوربون، لأن حتى هذه الصفحات القليلة كانت ذات عبارات إنشائيّة، وليس فيها ما يُقنع مَن يقرأ ذلك بالوثيقة، وفي المستقبل، وعلى ما نراه من سذاجة سياسية، لن نجد مَن يؤرشف ما حدث، من الحرب الأهلية، أو سقوط الموصل وسبايكر والخسفة، أو حتى من شهداء الاحتجاج.
التماعات قليلة، لا تكفي لإضاءة وجه الضحيّة، كي لا تتكرر، "آفة حارتنا النسيان"، كما يقول العم نجيب!
