علي وجيه يكتب: هل سمعوا قصائد حسين السلطاني؟
الكاتب: علي وجيه
علي وجيه
مشكلةُ الطبقة السياسيّة الحاليّة، بمجملها، أنّها لا تمتلكُ مجسّاتٍ لتفهم وضع المجتمع العراقيّ، هم بغالبيّتهم في منفى اختياري، جغرافيّ: المنطقة الخضراء، والبيوت المعزولة عن سواها بالحرس والكونكريت. والمنفى البشريّ المكوّن من الحواشي التي تطبخُ لذيذَ الوعود والآراء، لتزيّن للمسؤول أجمل ما في العالم، حتى ينصدمَ في الاحتجاجات مرةً إثر أخرى، برأي الناس فيه.
هل هي حالة عراقية؟ على الإطلاق، شاهدناها لدى صدّام والقذّافي وكل سياسيّ ظالمٍ أو متجاهل.
الفيسبوك هو مجرّد "جيوش ألكترونية"، والإعلام هو "مدفوع الثمن"، والقلّة التي يواجهونها تكون بالغالب تحاول الحصول على تعيين أو نقل إداريّ، وهذه القلّة هي "الشعب" بالنسبة لهم".
حسين السلطاني شاعرٌ شاب، لا أعرفه شخصيّاً، يكتبُ الشعر العامّي، ومثل كلّ شعر عاميّ مختلف، ومؤثر، فهو من المحافظة التي لا يُشبهها شيء في أيّ شيء: ذي قار.
على مدى ساعةٍ كاملة، في برنامج "اشتاكَلي" مع رائد أبو فتيان، كان هذا الشاب مختلفاً جداً، لدرجة أنني لم أتلقّ الحلقة تلقيَ شعرٍ واستمتاع، بل استمتعتُ لنسقٍ اجتماعيّ، سياسيّ، رغم خلوّ القصائد من أيّ ذكرٍ سياسيّ.
يشبه حسين السلطاني الآلاف من شباب الناصرية وضواحيها من الأقضية والنواحي، الشاب المهذب، المبتسم، المسحوق، الذي يبحث عن عملٍ في العاصمة، ومع "الأنا" الجمعية الخارقة التي يحملها أبناء مدينة كلّ ما فيها يبعثُ على رفع الأنف عالياً، وواقعٍ هو أسوأ ما يمكن التعامل معه: نحن لا نعرفُ كيف نتصرف بالضبط مع شباب ذي قار!
أنتَ في مدينةٍ هي محجّ الكرة الأرضية والسياحة الأثرية والدينية، لكن من المستحيل أن تجدَ فرصة عمل بسلاسة، وإن طالبتَ بأيّ شيء، سيكون القمعُ والرصاص والمتسلّقون على تعبك حاضرين، ليصنعوا منك مجزرةً وتشويه سمعة، تلفظك المدن الكبرى، فأنت "شروكَي"، وإن كنتَ في الجيش أو الحشد الشعبي، فستكون مدينتك، ذات ملامح الغبار والجفاف، هي صاحبة الأرقام الأعلى، ومهما بالغتَ بإكرام ضيوفك، وأن تفزعَ لهم، تبقى تلك "الشجرة الخبيثة" التي لا يرتاحُ لها المرء، من خارجها!
حتى في أيّام الاحتجاجات، كان احتجاج الناصرية يحملُ نَفَساً عدميّاً، ثمّة متظاهرون غير معنيين بما سيحدث، لكنهم الأقرب للموت، كانت الفيديوات حيث يركض شباب بفانيلات نحيلة بين الرصاص الحيّ، هو أقسى ما رأيناه، قبل أن يسيل نهر توابيت في اليوم التالي على جسر الزيتون.
هذه لمحة سريعة لشباب غاضب، لم تنجح كل الحكومات بتحريك وضعها الاقتصادي، أو الترفيهي في المدينة ولو بشكلٍ قليل، هذه العدمية تنعكسُ على أهازيج الاحتجاج، وحتى في منشورات الفيسبوك، وليس انتهاءً بالشعر.
يقول حسين السلطاني
"عود ردت ظهورنا بنفس الصليب
ليش عيسى بدينه وآنه بديني؟
هسّه بالله الكَلبه ما ينطيه: رِجيج
آنه كَلبي وعقلي ما ينطيني
وجنت أحبك، وخاف اخسرك
وخاف أضيع
وجان هذا براسي ليليّة الكلام
وأطلع من الدِين، ويردني اليقين
وأطلع من البيت ويردني الظلام
والشمس تطلع وألف راسي وأكَوم
آنه اذا ما روحي تطلع: ما أنام!"
ويكمل، الشاب المبتسم، المهذب، المُجامل، نصوصاً عدميّة أخرى، لا تشبه ما نراه في الشعر الشعبي العراقي، فحتى زيادة "جرعة الفلسفة" في يسار الشعر الشعبي، ستّينيّاته وسبعينيّاته، لكنه كان عمقاً مُستعاراً، وعدمية مقروءة، أكثر من كونها معاشة.
كان لسان جيل كامل:
"محّد حاس بإحساسي
يمعودين، ما ناسي، وكَلت "ناسي"
وبراسي سوالف مالهن ردّاد
على ساعة أفرّغ مخزن براسي
وأبوي يخاف ربّه
وملتهي بربّه
بس ما يدري بابنه شصاير بكَلبه
لو كَايلّي: بويه شبيك ما مرتاح؟
جا ما سولفت مالاتي عالغربة.
وآنه من العراق، شعندي غير البيت؟
وبعد منّاه وغاد البيت ما اطبّه
عِليل وما طبت، راح أكَطع التدخين
وكَطعته وما طبت، راح أكَطع الركَبة".
هذا ليس إبداعاً فردياً، أعني: ليس مجرّد شاعر قرّر أن يكون مختلفاً، هذا منطوق جيل كامل، غير معنيّ بالنظام الأبويّ "الملتهي بربّه" ولا يسأل ابنه عمّا يحدث معه في حياته، الانتحار ورمي النفس أمام الرصاص، قطع الطريق بالإطارات المشتعلة بسبب وبدون، التحفّز وانتظار أيّ حدث للإعلان عن الذات، هو كلام أكثر من جيلين، غير معنيين بسرديات الإيديولوجيا الكلاسيكيّة، وما فعلته قبل ولادتها بعقدين أو ثلاثة!
هذا بارومتر جاهز، قصائد حسين السلطاني وأبناء جيله والجيل الذي سبقه، من بينها قصائد شاعرين توفيا بحادث سير مؤلم (زيد السومري، علي مهدي)، والشعراء الأحياء الآخرين الشباب، هذا مجسّ إضافيّ لطبقة سياسيّة لا تعرف شيئاً عن الشعر، ولا عن الشباب، ولا حتى ما يدور خارج غرف الاجتماعات التي لا علاقة لها بالموضوع المُجتَمع بشأنه!
