يدان مقطوعتان تشيران للدولة
الكاتب: علي وجيه
تعرّض "حسن محمود أسود"، وهو شاب من كركوك، لتعذيب مروّع، خسر على إثره كلتا يديه، بعد اعتقاله لمدّة ٣٧ يوماً من قبل الشرطة الاتحاديّة.
وفضلاً عن خسران اليدين، وتعرّضه لهذا التعذيب المروّع، فإن أسرته تتعرّض لضغوطات أمنية وعشائرية، للتنازل عن الدعوى المرفوعة ضدّ الضبّاط الذين اعتقلوا "حسن".
في بلد التريندات المتعددة في يومٍ واحد، لم يبق "حسن" في الصفحات، بل أن مَن تحدث عن الموضوع قلّة، رغم فداحة الانتهاك، أنتَ الآن تقرأ المقال مستخدماً أصابعك، وأنا أكتبه بأصابعي، لكنّ "حسن" خسر يديه، وشوّهتا، ولا أحد انتبه للموضوع، فالمسكين فقد ما فقد في وقت كان الجميع ينتبه لعودة شيرين لزوجها، والعراك اليوميّ بين الديكة في البرامج السياسية، والهاشتاكات الوهمية.
لم يكن "حسن" هو الأول الذي تعرّض لشيء مشابه، أتذكّرُ حادثة مشابهة، أدت لشيء مشابه: تعليق مواطن بالطريقة المشهورة "الخيكَانية" (نسبةً لعلي الخيكَاني، مدير أمن النجف في النظام الديكتاتوري)، المهم: اعتُقل ذلك المواطن المسكين، بسبب تشابه أسماء، وعُلّق بالطريقة المذكورة آنفاً، ونسيَهُ مَن علّقه، وحين تذكّروه بعد ٨ ساعات تقريباً، وأطلق سراحه، كان ردّ الأطباء أن مصير يديك البتر، وبُترت. فيما بعد التقاه وزير الدفاع آنذاك، وكافأه بـ ٥٠٠ ألف دينار عراقي.
لعلّ مقاربة "تفاهة الشر" لا تنطبق على هذه المعادلة، فنظامنا السياسيّ ليس نظاماً قمعياً، هو نظامُ فوضى، في بعض تجلّياته القمع والسحق والتفاهة وعدم المحاسبة أو الإفراط في المحاسبة انطلاقاً من الاشتباه، لكنّ الثابت أن العنصر الأمنيّ العراقيّ بالغالب هو عنصر يحمل السلاح، بوصفه ممثّلاً للدولة "محتكرة العنف المشروع" كما يظهر تعريفها الأشهر، دون تدريب ودون احتواء، ودون معرفة ما يمكن فعله مع المقابل، إن كان متهماً أو متظاهراً أو حتى عابراً.
في أحيان كثيرة، كنتُ أعود لِما حدث في احتجاج تشرين، لمحاولة فهم ما يحدث، السؤال البسيط المعقد: لماذا قُتل هؤلاء؟ في حينها، وأثناء تواصلنا مع القيادات الأمنية، كانوا يؤكدون أنّ التوجيه كان صارماً بعدم إطلاق الرصاص الحيّ، ولا أتحدثُ فقط عن عهد رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي، بل كان التوجيه الصارم في عهد رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، لكن هذا لم يمنع من سقوط عدد من الشهداء، إن كان في ساحة التحرير من التشرينيين، أو حتى في تظاهرات الإطار المعترضة على نتائج الانتخابات آنذاك، أو تظاهرات الصدريين في "ثورة عاشوراء".
كرة العنف العراقيّة، تتدحرجُ من الطفولة المسحوقة على يد الأسرة والمعلّم، لتصل إلى المراهقة، القمع المستمر والإخصاء النفسيّ من قبل كل عناصر المجتمع، من الكادر التدريسي الى شرطي المرور وغير ذلك، يمنح ذلك الفرد رغبة بفرض سطوة مقابِلة: على أبنائه، أو زملائه، أو حتى في الشارع، وليس مهماً حجم هذا الفرد، سيجد مساحة وإن كانت صغيرة (على أخت مثلاً) لفرض هذا القمع المقابِل.
ثم يتطوّع هذا الفرد، في جهاز عسكريّ أو أمني، لتخوّله الدولة بحمل هذا السلاح والسطوة، بلا اختبار نفسيّ، أو سيطرة على الانفعال، ليكون بمواجهة محتجّين، أو مواطنين كانوا مساكين وسيئي الحظ ليتشابه اسمهم مع اسم إرهابيّ ما، ثم يفرض هذه السطوة.
أصابع حسن محمود أسود، السوداء، المبتورة، ستبقى تؤشر للعار الكبير الذي بُنيت وتُبنى عليه سياقات هذا النظام والنظام الذي سبقه والذي سبقه إلى سومر القديمة، بسحق الأفراد المساكين، على يد أفراد مساكين تحوّلوا بلحظة إلى ذوي سطوة ففرضوها حتى آخر قطرة على أشباههم.
هذه الأصابع ستشير لكلّ بناء خاطئ، من الممكن أن يواجهك أو يواجهني أو أيّ مسكين آخر من مساكين الله، في أيّ سيطرة، في أيّ محافظة عراقية.
أصابعُ تشير إلى الدولة التي لم تُبنَ قط!
