الحدود العراقية ـ السورية تتصدر الواجهة الأمنية من جديد... هل اقترب الخطر من بغداد؟
شهد شهر يوليو/تموز الماضي، اطلاق سراح المئات من المحتجزين في سجون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الواقعة على مقربة من الحدود العراقية ـ السورية، الأمر الذي جعل هذه الحدود دائرة الاهتمام الأمني والسياسي في بغداد، وسبب هذا الأمر مخاوف لدى الحكومة العراقية من أن يكون بينهم عناصر تنتمي لتنظيم داعش ومن جهة أخرى احتمالية تسللهم إلى داخل أراضي العراق.
ودفع هذا الأمر العشائر العربية في ريف دير الزور إلى التكاتف لمواجهة عناصر قسد حيث شهدت المنطقة عدة اشتباكات عنيفة ومواجهات مسلحة بين الطرفين، وبهذه الأثناء أكدت الحكومة العراقية أنها شكلت جدار أمني متين على الحدود لمنع عناصر داعش من التسلل إلى داخل أراضيها.
ويذكر أن العراق يشترك مع سورية في حدود تبلغ أكثر من "600" كيلومتر.
وطيلة العقدين الماضيين شهدت هذه الحدود العديد من عمليات التسلل لجماعات مسلحة أبرزها تنظيم القاعدة بين 2004 و2011، بالإضافة إلى أكثر من عملية نفذتها جماعات مسلحة مختلفة أحكمت من خلالها قبصتها على المناطق الحدودية مع العراق.
"تأمين الحدود العراقية ـ السورية"
وأجرت قيادات عسكرية وأمنية عراقية، قبل نحو أسبوع، عدة زيارات للمنطقة الحدودية مع سورية، كان أبرزها نائب قائد العمليات العراقية المشتركة، الفريق "قيس المحمداوي". وقالت قيادة العمليات المشتركة في بيان، مساء السبت 10 أغسطس/آب الحالي، إن: "وفداً رفيع المستوى ضم نائب قائد العمليات المشتركة، والقادة والمعاونين وهيئات أركان، تفقدت القطعات الأمنية في محافظة نينوى وغربها وصولاً إلى الحدود العراقية ـ السورية تحديداً".
وأكد البيان "مناقشة خطط غلق الفجوات (على الحدود السورية)، والإمساك بالقواطع الأمنية وتأمين العمق والاحتياط والإسناد من قبل قطعات الجيش والحشد الشعبي لقواطع الحدود".
وقال المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة العراقية اللواء تحسين الخفاجي لمصدر سياسي وتابعته وكالة "المطلع"، إن: "الوضع على الحدود السورية مؤمّن بشكل كامل، وأي محاولة تسلل، ستواجه فوراً بالقتل أو الاعتقال".
وأوضح أن "العراق منذ فترة طويلة يعمل على تحصين حدوده بشكل جيد، خصوصاً مع سورية، من خلال نصب أبراج المراقبة والجدار الكونكريتي والفواصل الترابية بين البلدين، مع استخدام الطيران المسيّر لمراقبة الأجواء ورصد أي تحركات مشبوهة قرب الحدود، والتعامل معها بقوة وحزم من قبل القوات العراقية الماسكة للشريط الحدودي".
وأضاف الخفاجي أن: "زيارة الوفد العسكري والأمني الرفيع إلى الحدود السورية جاء للتأكيد على سلامة أمن الحدود وسد الثغرات. وشدد الوفد على ضرورة الحيطة والحذر، والجاهزية الكاملة لأي طارئ، والوضع العراقي مستقر على المستوى الداخلي، والضربات مستمرة ومتواصلة ضد ما تبقى من خلايا تنظيم داعش الإرهابي، ولا مخاوف من زعزعة الأمن والاستقرار من قبل تلك الخلايا".
وفي السياق ذاته، تحدث عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي ياسر وتوت، لمصدر سياسي عن "تأمين كامل للحدود مع سورية في الوقت الحالي"، لكنه استدرك أن: "هذا لا يعني عدم الاهتمام بالملف في ظل وجود توتر أمني داخل العمق السوري، وهذا التوتر قد تكون له تبعات على المستوى الداخلي العراقي، ولهذا يجب أن تكون هناك جهوزية لاي طارئ".
واعتبر وتوت أن الحدود العراقية ـ السورية "ما زالت تشكل تهديداً للعراق في ظل عدم السيطرة على تلك الحدود بشكل كامل من قبل الحكومة السورية، ولهذا فإن العراق دائماً ما يكون مهتماً بهذا الملف ويكون هو محل اهتمام كل الأطراف السياسية والأمنية، فالكل يدرك خطورة هذا الملف، والكل يخشى إعادة ملف الإرهاب مجدداً عبر تسلل إرهابيين وقادة من داعش إلى العمق العراقي".
واعتبر وتوت أن "لجنة الأمن والدفاع البرلمانية تتابع بشكل شبه يومي الأوضاع الأمنية والعسكرية على الحدود العراقية ـ السورية، وهناك رسائل طمأنة من قبل القيادات العسكرية المسؤولة عن هذا الملف، ولهذا فالحدود مؤمّنة وبلا ثغرات، وهناك اهتمام بها حالياً بسبب الظروف الأمنية داخل سورية، بعد إطلاق سراح إرهابيين خطرين من قبل قسد".
ولكن العقيد السابق في الجيش العراقي "رياض العبيدي" رأى، أن العراق "يشكو من عدم جدية النظام السوري في تنفيذ التعهدات السابقة بشأن الملف الحدودي".
ولفت إلى أن "الشريط الحدودي السوري مع العراق يتقاسمه حالياً عدة قوات أو أطراف، وهم قوات النظام، وقوات قسد، وجزء تسيطر عليه فصائل مسلحة حليفة لإيران، ولا وجود للنظام بشكل حقيقي. وكل هذه المناطق تكون هشة في أي توتر، وكذلك خلال فترات أحوال الطقس السيئة التي تنخفض فيها الرؤية بسبب الضباب أو العواصف. كما أن الرشوة تنخر جيش النظام وقسد، وتم اعتقال متسللين قبل فترة، تبيّن أنهم دفعوا رشوة لتجاوز خطوط الجانب السوري التي تنتشر عليها القوات".
وفي المقابل، اعتبر المحلل الأمني أحمد الشريفي، أنه "رغم إعلان الحكومة العراقية ضبط الحدود مع الجانب السوري، إلا أن ملف الحدود ما زال يشكل توتراً وقلقاً أمنياً للعراق، ولهذا فإنه يزيد من إجراءاته الأمنية والعسكرية عند تلك الحدود، خشية من تحركات لتنظيم داعش".
وكشف الشريفي أن "إمساك الحدود العراقية ـ السورية بشكل كامل ما زال يحتاج لمزيد من الوقت والجهد، كذلك يحتاج إلى قوات إضافية من حرس الحدود والحشد الشعبي وغيرها، فمسافة تلك الحدود واسعة جداً، وهي تحتاج إلى مراقبة مستمرة لمدة 24 ساعة، لمنع أي محاولة لعبور الحدود من قبل عناصر تنظيم داعش، الذين يسعون إلى فتح أي ثغرات للعبور".
وأضاف الشريفي أن: "عودة ملف الحدود العراقية ـ السورية إلى الواجهة مجدداً، والاهتمام الأمني والسياسي بهذا الملف حالياً، يؤكدان أن خطورة عدم ضبط الحدود بنسبة 100% مازالت موجودة، والمخاوف من أي طارئ حقيقة، ولهذا نرى الاهتمام ونرى الإجراءات الأمنية والعسكرية المختلفة عن السابق عند تلك الحدود".
وكان العراق أطلق في عام 2020 بدعم غربي مشروعاً لتأمين الحدود مع سورية المحاذية لمحافظتي الأنبار ونينوى، والتي لا تزال تشهد عمليات تسلل، فضلاً عن أنشطة تهريب المخدرات الآتية من الأراضي السورية. وسيمتد الجدار الخرساني الذي تقوم السلطات العراقية ببنائه على طول 160 كيلومتراً وبارتفاع 3 أمتار، من منطقة فيشخابور شمال غربي العراق، مروراً بمنطقة ربيعة وسنجار، وهذه المناطق هي نقطة نشاط لمسلحي حزب العمال الكردستاني، وتقابلها مناطق سورية يسيطر عليها عناصر "قسد".
وينشر الجانب العراقي قوات حرس الحدود والجيش والحشد الشعبي على الشريط الحدودي. في المقابل، تنتشر جماعات مسلحة متعددة ومختلفة التوجهات على الجانب السوري. فمناطق محافظة الحسكة ومناطق في دير الزور تخضع لسيطرة المليشيات الكردية مدعومة بالقوات الأميركية، بينما تفرض قوات النظام السوري مدعومة بفصائل مسلحة قريبة من إيران سيطرتها على المناطق الشرقية في دير الزور، والتي تقابل محافظة الأنبار العراقية.
كلمات مفتاحية
- العراق
- الحدود العراقية السورية
- قوات سوريا الديمقراطية
- قسد
- بغداد
- الحكومة العراقية
- دير الزور
- تنظيم داعش الإرهابي
- تقارير عربية ودولية
- امن العراق
