الدولار يلعب الدور.. السوداني يغير موقفه من "رفض بقاء القوات الأمريكية في العراق" الى "دعمه"
الخامس عشر من يناير، السوداني من داخل قصر الرئاسة وفي مقابلة مع صحيفة الوال ستريت جورنال الامريكية يؤكد "العراق ما يزال بحاجة الى وجود القوات الأجنبية".
التصريحات المتناقضة التي صدرت عن السوداني خلال يوم واحد فقط، اثارت ردود فعل واسعة على الصعيد المحلي والدولي بعد تناول وسائل الإعلام الدولية انباءا وتقارير مفادها، ان السوداني "يدعم بقاء القوات الامريكية في العراق"، على الرغم من تصاعد المطالب الصادرة عن جهات سياسية عراقية والداعية الى اخراج القوات الامريكية من العراق بشكل كامل.
الإدارة الامريكية من جانبها باتت تبحث عن مزيد من الأسباب لابقاء قواتها في العراق ضمن صراعها الإقليمي ضد ايران من خلال تفسيرات مختلفة ومطاطة للقانون الذي استخدمته سابقا لدخول العراق عام 2003 وإبقاء قواتها فيه دون اطار قانوني واضح، معتمدة بذلك على بعض بنود اتفاقية الاطار الاستراتيجي بين البلدين عام 2011 وبعض النصوص الواردة في قانون تخويل صلاحيات الحرب الطارئة للرئيس الأمريكي عامي 2002 و 2003، بحسب ما بينت منظمة جست سيكوريتي الامريكية.
موقف السوداني المتناقض حول حاجة العراق الى قوات أمريكية من عدمه، اشارت اليه بعض وسائل الإعلام الامريكية على انه محاولة للتقرب من واشنطن للتقليل من تأثيرات تدهور العلاقات عقب الخلافات الامريكية العراقية بشأن تدفق الدولار من البلاد نحو ايران التي تفرض عليها واشنطن عقوبات، والتي قادت بشكل غير مباشر الى رفع أسعار التصريف داخل العراق، والتسبب بتدهور قيمة الدينار.
السوداني.. العراق "ليس بحاجة" الى قوات اجنبية
رئيس الوزراء وخلال الزيارة التي قام بها الى العاصمة الألمانية برلين لبحث تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين وإعادة تفعيل الاتفاقيات المعطلة بينهما منذ عام 2019، اقام مؤتمرا صحفيا مع المستشار الألماني أولاف شولز، مؤكدا عبره "ان القوات العراقية قادرة بشكل كامل على مكافحة الإرهاب وإيقاف التنظيمات".
تصريحات السوداني خلال المؤتمر، تبعها بتاكيد اخر، شدد عبره ان العراق "لا يحتاج الى قوات اجنبية او الى تحالف دولي لمكافحة التنظيم الإرهابي"، موضحا بحسب ما أوردت شبكة برس تي في، ان حكومته بصدد "إعادة النظر بتواجد القوات الأمريكية التي تلعب دورا تدريبيا واستشاريا للعراق بعد إنهاء مهامها القتالية في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 2021" .
الإدارة الامريكية تحت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، كانت قد بدأت خلال عام 2021 البحث في سحب قواتها بالكامل من العراق عبر مراحل وبحسب ما بينت منظمة جست سيكيورتي الامريكية للدراسات الأمنية عبر تقرير نشرته في الثامن عشر من مايو العام الماضي، الا ان حسابات أخرى دخلت الى المعادلة و "أجبرت" بايدن على إعادة النظر بالانسحاب، والتراجع عنه نحو "تغيير وصف القوات" فقط.
السوداني.. العراق "بحاجة" الى قوات اجنبية
السوداني وبعد يومين فقط من عودته الى بغداد من برلين، اصدر تصريحات أخرى تختلف عن تلك التي اطلقت عبر مؤتمره الصحفي مع شولز، حيث قال السوداني خلال مقابلة أجرتها معه صحيفة الوال ستريت جورنال الامريكية في الخامس عشر من الشهر الحالي، ان العراق "بحاجة الى قوات اجنبية".
المقابلة التي أجريت مع السوداني في بغداد، شهدت إعلانه "رفض" وضع جدول زمني لسحب القوات الامريكية من العراق طبقا للمطالبات التي تصدر عن الجهات السياسية الداخلية، مشددا على ان "هزيمة تنظيم داعش الإرهابي ما تزال بحاجة الى وقت طويل".
الصحيفة من جانبها، أعلنت ان السوداني "يدعم" بقاء القوات الامريكية في العراق الى "اجل غير مسمى"، مشيرة إلى أنه يرى في الدعم والاستشارة المقدمة من قبل القوات الامريكية وقوات حلف الناتو ضرورة في مكافحة التنظيم الإرهابي، معلنا "ما نزال بحاجة الى القوات الأجنبية في العراق".
القوات الامريكية "لا تفعل شيئا يذكر".. وهذه هي أسباب بقائها
دعوات سحب القوات الامريكية من العراق لم تنحسر فقط بالطبقة السياسية العراقية المحلية، بل تعدته الى وسائل الاعلام الامريكية ذاتها، حيث أوردت صحيفة النيويورك تايمز في العاشر من فبراير الماضي، تقريرا شددت خلاله على ان استمرار وجود القوات الامريكية في العراق لا "يحقق أي تغيير على الأرض".
الصحيفة دعت الإدارة الأمريكية إلى "التوقف عن إيجاد الاعذار التي تضع القوات الامريكية في العراق في خطر غير ضروري"، وتقوم بسحبها بشكل مباشر، مشيرة، إلى ان الاعذار التي تستخدم من قبل الإدارة الامريكية لتفسير بقاء قواتها في العراق يشابه تلك الاعذار التي استخدمت في أفغانستان سابقا، وقادت في النهاية الى "فشل كبير" في تحقيق أهداف الإدارة الأمريكية في البلاد.
وتابعت "النيويورك تايمز"، "التجربة الامريكية في أفغانستان اثبتت بان بقاء القوات الامريكية في العراق لا يمكن له ان يقضي على التنظيمات الإرهابية التي تدعي واشنطن ان وجود عناصرها ضروري لتحقيقه"، مشددة "تجاهل أسباب الانسحاب لصالح البقاء سيقود بشكل واضح الى دفع ثمن عال جدا"، على حد تعبيرها.
منظمة "جست سيكيوريتي" الامريكية، أوضحت في تقريرها بعض الأسباب التي قالت انها دفعت إدارة بايدن الى إبقاء القوات الامريكية في العراق، معلنة "القلق من التوسع الإيراني في المنطقة، وملئها الشاغر الذي قد تخلفه القوات الامريكية، قادها الى تغيير قرارها السابق بسحب قواتها عام 2021، واستبداله بتغيير صفة بقائها فقط".
المنظمة أكدت أيضا، أن الإدارة الامريكية لم تعد تملك "مبررا قانونيا" لابقاء قواتها في العراق والتي باتت بحسب نظرها، تؤدي الى نتيجة عكسية من خلال التسبب بمزيد من التصعيد والاحتقان مع ايران والأطراف العراقية الرافضة لتواجدها، بدلا من تثبيت التواجد الأمريكي في المنطقة وتأمينه.
الأسباب الحقيقية لبقاء القوات الامريكية في العراق بحسب المنظمة، تعود الى "ضغوط" تمارس من قبل دول إقليمية تحاول "احتواء ايران" عبر التواجد الأمريكي المباشر في العراق، امر اكدت صحيفة "النيويورك تايمز" عدم تحققه، مؤكدة ان القوات الامريكية في العراق "فشلت" في احتواء الانتشار الإيراني في المنطقة كونه "مدفوع باهداف سياسية ولا يمكن الحد منه عبر الطرق العسكرية".
السوداني تحت ضغط إيراني.. موقفه الحقيقي يحركه "الخوف من الدولار"
موقف السوداني السابق من تواجد القوات الامريكية في العراق، وحديثه عن عدم حاجة البلاد اليها، تحدثت عنه "شبكة ذا اراب ويكلي" في تقرير نشرته في الثامن والعشرين من الشهر الماضي، مؤكدة وجود ما أدعت أنها "ضغوط إيرانية" تمارس على السوداني للدفع بانسحاب القوات الامريكية من العراق بشكل كامل.
الشبكة قالت "ان السوداني بأمس الحاجة الآن الى علاقات جيدة مع الولايات المتحدة لتفادي التأثيرات السلبية لتدهورها"، مشيرة إلى الاقتصاد العراقي وما تعرض إليه من مشاكل عقب فرض الخزانة الامريكية شروطا على نقل العملة الصعبة الى العراق بعد إعلان واشنطن إصدارها "تحذيرات سابقة للحكومة العراقية" من وجود عمليات تهريب للدولار من العراق الى ايران التي تفرض عليها واشنطن عقوبات اقتصادية مشددة.
قلق السوداني من أن يؤدي تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة الى مزيد من التأثيرات السلبية على الاقتصاد العراقي، دفعه الى "محاولة" الحفاظ على علاقات إيجابية مع واشنطن، بالتزامن مع العمل على إبقاء العلاقات جيدة مع طهران، الأمر الذي بات من الصعب تحقيقه مع تصاعد الضغوط على حكومة السوداني من الجانبين.
موقف السوداني الحقيقي كشف عنه من خلال المقابلة مع صحيفة "الوال ستريت جورنال"، والتي أوضح خلالها، أنه يطمح الى "علاقات إيجابية مع واشنطن، تماثل تلك التي تحظى بها السعودية وبعض دول الخليج مع الإدارة الامريكية"، معلنا نيته "ارسال وفد رفيع المستوى الى واشنطن الشهر المقبل للتحدث مع الإدارة الامريكية حول تطوير العلاقات بين البلدين الى تلك التي تشابه الخليجي الامريكية".
السوداني اختتم حديثه مع الصحيفة الامريكية بالتشديد "لا أرى بان الامر مستحيل، يمكن للعراق ان يحظى بعلاقات إيجابية وجيدة مع كل من الولايات المتحدة وإيران بذات الوقت"، الامر الذي اشارت الى انه يمثل وجهة نظر رئيس الوزراء للمرحلة المقبلة مع تصاعد الضغوط ليس فقط على حكومته من ايران والولايات المتحدة، بل على الاقتصاد العراقي بسبب ما أسمته "الحرب بالوكالة" بين طهران وواشنطن، وسائل الإعلام المذكورة خلصت إلى ان السوداني قد يهدف الى تفادي التاثيرات الجانبية لـ "اغضاب أي من الطرفين"، عبر اتخاذ موقف من طرف ضد الآخر.
