الصحافة العربية: العراق يسعى لكسر دائرة الفقر في مواجهة تحديات هيكلية
يواجه العراق اليوم تحديات هيكلية معقدة وطموحات إصلاحية كبيرة، حيث يخوض معركة مستمرة وطويلة لكسر دائرة الفقر المستعصية وتحقيق تنمية عادلة وشاملة. رغم بعض التحسن الملحوظ في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، يبقى الطريق أمام العراق مليئًا بالصعوبات التي تتطلب حلولًا جذرية ومستدامة.
وجاء في تقرير لصحيفة العرب وتابعته "المطلع"، أنه:"أحرز البلد تقدماً نسبياً في مواجهة هذه المعضلة التي سجلت خلال السنوات الماضية انخفاضاً من 22 في المئة خلال عام 2007 إلى 17 في المئة العام الماضي، وسط جهود حكومية لدعم محدودي الدخل، وتوفير فرص عمل".
ورغم تسجيل تراجع طفيف في مؤشر الفقر متعدد الأبعاد خلال عام 2024 ببلد يضم أكثر من "47" مليون نسمة، فإن التفاوت بين المحافظات لا يزال حاضرًا، ليعكس واقعًا تنمويًا غير متوازن.
وفي حين تظهر أرقام وزارة التخطيط انخفاض النسبة إلى 10.8 في المئة مقارنة مع 11.4 في المئة خلال 2018، تتصدّر محافظات جنوبية ووسطى مشهد الفقر بمعدلات تتجاوز المعدل الوطني بكثير، في وقت تسجّل فيه محافظات أخرى معدلات أقل.
ويقول محللون إن:"ذلك يسلّط الضوء على فجوة إنمائية ما زالت تشكّل تحديًا أمام السياسات الاقتصادية والاجتماعية للبلد النفطي العضو في منظمة أوبك".
وأكد وزير التخطيط محمد علي تميم خلال مؤتمر رسمي أُطلق فيه تقرير وطني جديد بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية ،الأربعاء، أن:"الوزارة تعمل على تشخيص الحاجات الأساسية للمواطنين وفقاً لمؤشرات ميدانية".
ووفق وكالة الأنباء العراقية الرسمية، فقد أشار تميم أمام المؤتمر إلى:"توجه جديد نحو إعداد أدلة خاصة بفقر المرأة والطفل في الأعوام المقبلة".
ويعتقد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن تقرير الفقر متعدد الأبعاد، الذي تضمن توزيع الموارد وتعزيز المساواة، أسهم ببناء أساس متين لدفع عجلة التنمية الشاملة بالبلاد.
وقال ساشا كغاومان نائب الممثل المقيم للبرنامج بالعراق في المؤتمر إن:"الفقر مسألة معقدة ومتعددة الأبعاد في العراق، حيث تركت سنوات من الصراع وعدم الاستقرار أثراً عميقاً على المجتمع، وباتت الحاجة إلى فهم الصورة الكاملة أكثر إلحاحاً من أيّ وقت مضى".
وأضاف:"هذا التقرير لا يقيس الدخل فقط، بل يرصد كذلك أوجه الحرمان في مجالات التعليم والصحة والسكن والعمل، ليقدم رؤية أوضح وأكثر شمولاً لما يعنيه الفقر فعلياً للعراقيين".
وأوضح كغاومان أن، المؤشرات ليست غاية بحد ذاتها، بل هي بداية لنهج أكثر وعياً وفاعلية في مكافحة الفقر، وفي المرحلة المقبلة، يجب العمل مع الحكومة والقطاع الخاص والشركاء الدوليين على تنفيذ ما ورد في هذه التقارير من توصيات.
ومن أجل تحقيق الأهداف المرجوة أطلقت هيئة الإحصاء التابعة لوزارة التخطيط مقياساً لمعدلات الفقر أطلقت عليه "المقياس الوطني متعدد الأبعاد".
وحسب سندس عباس، مديرة برنامج دعم العراق للتنمية المستدامة في مكتب الأمم المتحدة الإنمائي، خلال حديث مع "بلومبيرغ الشرق"، فإن:"تقرير الفقر متعدد الأبعاد استند إلى نتائج المسح الوطني للأسرة العراقية، أو ما يسمى بـ"مسح إحساس".
وشرحت بأن، فرقاً من هيئة الإحصاء العراقية قامت بمسح "24" ألف أسرة عراقية، وتمت زيارتها ومتابعة أوضاعها على مدار خمس مرات خلال عام كامل باستخدام منهجية معتمدة من جامعة أوكسفورد.
واعتمدت فرق الإحصاء خمسة أبعاد، هي التعليم والصحة ومستويات المعيشة والتشغيل والتعرض للصدمات، وقد أظهرت النتائج ثلاث محافظات عراقية تمثل الأكثر فقراً، هي المثنى وميسان وصلاح الدين.
ودعت عباس الجهات الحكومية العراقية، خاصة الحكومات المحلية، لأخذ تلك المؤشرات بعين الاعتبار ووضع الخطط الكفيلة لترجمتها على أرض الواقع.
وتعتمد الحكومة الاتحادية في مساعيها للتصدي للفقر على ثلاث إستراتيجيات، الأولى عبارة عن الحصة التموينية التي تم تفعيلها عام 1990، وكانت النية وقتها أن تكون مؤقتة لكنها استمرت حتى الآن.
وتخصص الحكومات المحلية لهذه الإستراتيجية مبالغ كبيرة وحصة من سلع غذائية متنوعة تُمنح للأسر العراقية بأسعار مدعومة حكومياً.
وأما الإستراتيجية الثانية، فهي مرتبات الرعاية الاجتماعية، حيث ينص قانون الرعاية الاجتماعية الصادر في عام 2014 على أن لكل عراقي يعيش تحت خط الفقر الحق في الحصول على إعانة نقدية شهرية.
وحدد القانون المبلغ بنحو 105 آلاف دينار (80.1 دولار) لكل فرد من الأسرة بحد أقصى أربعة أفراد. وهناك مطالبات بتعديل القانون لزيادة مبالغ هذه الإعانات.
والإستراتيجية الثالثة عبارة عن صناديق التنمية الاجتماعية المختصة بتقديم خدمات متنوعة للمناطق التي تسجل معدلات فقر عالية، وتشمل قروضاً صغيرة ومتوسطة للشباب العاطلين لبدء مشاريع مدرة للدخل وخالقة لفرص عمل.
وتشمل كذلك تنفيذ مشاريع خدمية أساسية ترتبط بالماء والطرق والسكن وغيرها. ويخصص كل عام مبالغ من الموازنة الاتحادية لدعم هؤلاء الشباب أو عبر قروض من البنوك العالمية.
ورغم هذه الإستراتيجيات الثلاث التي تعمل ضمن إطارها حكومات المحافظات، إلا أن البلاد لا تزال تواجه مشاكل كثيرة، ليست فقط تلك المتعلقة بأسعار النفط أو التوترات الجيوسياسية، بل تمتد إلى التحدي الديموغرافي.
واعتبر مهدي العلاق رئيس الفريق الفني في هيئة الإحصاء العراقية في تصريح لبلومبيرغ الشرق أن معدل الفقر المسجل يُعتبر ضمن المستويات المقبولة عالميا.
وأظهرت نتائج المسح أن:"نحو 11 في المئة من العراقيين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد، وأن كل بعد تختلف نسبته في معاناة الأسر من الحرمان، وفق العلاق.
ويتوقع البنك الدولي أن ينمو الاقتصاد العراقي العام الجاري بواقع 1.2 في المئة بعدما تم تسجيل انكماش بحوالي 1.5 في العام الماضي، على أن يترفع إلى 4.4 في المئة خلال 2026 ويعود للانخفاض في العام الموالي ليبلغ 3.1 في المئة.
ولفت ضياء عواد، رئيس هيئة الإحصاء ونظم المعلومات في وزارة التخطيط، أن مسوحات الهيئة تطرقت لأدق التفاصيل، خاصة ما يتعلق بمعدل البطالة الأوسع والذي سجل انخفاضاً العام الماضي إلى 13.5 في المئة.
وأشار إلى أن:"هذا المعدل لا يشمل فقط العاطلين عن العمل، بل يمتد إلى الذين يمارسون أشغالاً في غير تخصصاتهم، وأولئك الذين لا يعملون بوقت كامل".
