الضوضاء تغزو أحياء العراق… صخب يهدد هدوء السكان + صور
تشهد العديد من المدن العراقية، منذ سنوات، ارتفاعاً ملحوظاً فيما يعرف محلياً بمشكلة الضجيج، إذ أصبحت الأصوات المرتفعة والضوضاء الناتجة عن مكبرات الصوت جزءاً من المشهد اليومي، مما يثقل كاهل السكان ويحد من شعورهم بالراحة حتى داخل منازلهم. ومع غياب الضوابط القانونية وضعف الرقابة، توسعت هذه الظاهرة لتشمل أنشطة فردية وجماعية تتذرع أحياناً بمسمى "الحريات الشخصية"، رغم تأثيرها المباشر على الحريات العامة وحق الآخرين في الهدوء والسكينة.

وجاء في تقرير لموقع العربي الجديد وتابعته وكالة "المطلع"أن "في أحياء بغداد والبصرة وكربلاء والنجف والموصل ومدن أخرى، بات من الشائع سماع أصوات الأغاني الصاخبة حتى ساعات الصباح الأولى، خاصة الصادرة من المقاهي أو ما يعرف محلياً بـ"الكوفيهات"، التي تزايد عددها داخل الأزقة والمناطق السكنية من دون أي مراعاة للبيئة المجتمعية. هذه الفضاءات، التي تحولت إلى أماكن مفتوحة للحفلات والرقص والأغاني ذات الإيقاع المرتفع، تسمع أصداؤها من شوارع بعيدة، مسببة إزعاجاً يومياً للأهالي".

لكن الأمر لم يقف عند حدود المقاهي، فظاهرة بث الأغاني أو الأناشيد الشعبية عبر مكبرات صوت قوية داخل سيارات الشباب و"الدراجات النارية" وعربات "التوك تك" أصبحت منافساً رئيسياً للمقاهي في مستوى الضجيج. فهي تجوب الأحياء بأصوات تشق السكون وأوقات الراحة، خصوصاً في ساعات الليل، حيث يزداد الانزعاج ويضعف احتمال تجاهل تلك الأصوات. ويرافق ذلك استخدام مفرط لمنبهات السيارات (الهورن)، من دون مراعاة لوجود أحياء سكنية أو كبار سن أو مرضى.

ضغط متزايد على الحياة اليومية في العراق
يقول علي جابر، وهو موظف حكومي من منطقة شارع فلسطين في بغداد: "لم نعد نستطيع الجلوس داخل منازلنا بهدوء. كل ليلة تبدأ الحفلات في المقاهي، وتبدأ السيارات بالتجوال بأغان صاخبة، حتى الأطفال يعانون، ولا أحد يسمع شكوانا"، مؤكداً لـ"العربي الجديد"، "لا نجد وقتاً مناسباً للراحة، حتى إننا ننام بالليل بشكل متقطع بسبب تلك الأصوات".
فيما تشير أم حسين من محافظة كربلاء إلى أن "الأصوات تصلنا حتى وقت السحر"، مؤكدة لـ"العربي الجديد"، أنه "في بعض الليالي لا نستطيع النوم، هناك فوضى صوتية حقيقية من الكوفيهات والسيارات والدراجات وغيرها".

في المقابل، يرى مختصون بالشأن المجتمعي أن جزءاً كبيراً من المشكلة يعود إلى "غياب الوعي الثقافي لدى شريحة واسعة من الشباب، الذين يربطون هذه السلوكيات بنمط حياة عصري أو بتحقيق حضور اجتماعي"، بحسب حسن عبد الله، أكاديمي مختص بعلم الاجتماع.
ويضيف عبد الله، لـ"العربي الجديد": "هناك خلط كبير بين الحرية الشخصية وإزعاج المجتمع، الحرية تنتهي عند الإضرار بالآخرين، وما يجري هو تجاوز صريح على حياة الناس وحقوقهم الأساسية بالراحة"، مؤكداً أن من أسباب تفاقم الظاهرة غياب التشريعات الواضحة، فالقوانين العراقية الحالية لا توفر آليات تطبيق صارمة للحد من الضجيج داخل الأحياء السكنية، وضعف دور الأجهزة الأمنية، وعدم وجود ضوابط تمنع انتشار المقاهي داخل الأحياء السكنية". وأضاف أن "التأثير الثقافي والإعلامي الساذج أثر في نشر هذه الثقافة، حيث تقدم بعض المحتويات الفنية على أنها جزء من أسلوب حياة شبابية، ما شجّع فئات واسعة على تبنيها دون وعي بعواقبها".
ما الآثار النفسية والصحية للضجيج؟
ويحذر متخصصون من أن التعرّض المستمر للضوضاء قد يسبب مشكلات صحية تتراوح بين التوتر والأرق وارتفاع ضغط الدم واضطرابات التركيز، ويشير معد العبيدي، اختصاصي الصحة العامة، إلى أن "الضوضاء واحدة من أهم العوامل البيئية الضارة، وتسبب إجهاداً نفسياً كبيراً"، مؤكداً لـ"العربي الجديد"، أن "كثيراً من المرضى الذين نراهم في العيادات يشكون من قلة النوم وصداع مستمر متكرر، وغالباً يكون ذلك مرتبطاً بالضجيج الليلي". كما تؤدي هذه الظاهرة إلى انخفاض مستوى الترابط الاجتماعي، إذ يشعر السكان بأن حقوقهم مهملة، وبأن البيئة العامة غير صالحة للحياة الهادئة أو لتربية الأطفال في ظروف مستقرة.

وخلال الأشهر الماضية، تزايدت الدعوات الشعبية لوضع ضوابط صارمة تمنع استخدام مكبر الصوت داخل الأحياء، وتعيد تنظيم عمل المقاهي، وتلزم أصحاب السيارات والدراجات باحترام القانون. وطالب مواطنون في بغداد والبصرة وغيرها بإطلاق حملات توعية تستهدف الشباب، وتعمل على احترام الحيز العام والبيئة السكنية.
من جانب آخر، يؤكد مسؤول في وزارة الداخلية العراقية، أن الوزارة "تتلقى شكاوى متكررة، لكنها تعمل ضمن إجراءات معينة"، مشيراً لـ"العربي الجديد"، إلى أن "هناك خطة لإطلاق حملة توعية وأخرى رقابية ستطبق خلال الفترة المقبلة". يجري ذلك وسط دعوات بوضع حلول تكون أكثر شمولاً، عبر تشريعات واضحة تحدد مستويات الضجيج المسموح بها، وتفرض غرامات على المخالفين، وتشجع البلديات والجهات المسؤولة على منع إقامة مشاريع ترفيهية داخل الأحياء السكنية دون ضوابط، فضلاً عن أهمية تعزيز الثقافة العامة في المدارس والجامعات والإعلام، لإيصال رسالة مفادها أن الحرية لا تعني الإضرار بالمجتمع.
