العزوف يعيق التغيير.. كيف فشلت الحكومة والأمم المتحدة في الترويج للانتخابات
عبرت الأمم المتحدة وبعثة الاتحاد الأوروبي الى العراق، عن قلقها مجددا من نسب عزوف المقترعين عن المشاركة في الانتخابات المقبلة المقررة في العاشر من الشهر المقبل، وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزف بوريل اكد في السابع من الشهر الحالي، عن قلق الاتحاد مما وصفه "تاثر الانتخابات العراقية سلبا بالمقاطعة وعمليات التزوير"، داعيا الشعب العراقي الى المشاركة الفاعلة في الانتخابات المقبلة.
وعبر بوريل عن استغرابه من الحملات الداعية الى مقاطعة الانتخابات، ونتائج استبيانات الراي التي انتشرت وتتوقع عزوف جزء كبير من المقترعين عن المشاركة في علمية الاقتراع، مؤكدا "طالب الشعب العراقي بانتخابات مبكرة، وعند تقديمها لهم يرفضون المشاركة بها"، مبديا استغرابه من تلك الدعوات.
الأمم المتحدة من جانبهأ، اكدت من خلال وكالة فرانس 24، عن مخاوفها من انخفاض نسب المشاركة عن الانتخابات السابقة التي جرت عام 2018، وشهدت مشاركة نسبة 44% فقط من مجموع المقترعين، مشيرة الى المشاكل التي تدفع بالناخبين الى الابتعاد عن صناديق الاقتراع، وداعية الجهات السياسية الى اتخاذ ما يلزم لحل المشاكل والقضاء على معوقات اقناع الناخبين بالمشاركة في الانتخابات المقبلة.
الوكالة اشارت الى ان الانتخابات السابقة شهدت "عمليات تزوير وشراء أصوات من قبل جهات سياسية متنفذة"، مشيرة، الى ان هذه العوامل بالإضافة الى "انتشار السلاح غير المسيطر عليه من قبل الدولة"، قاد الى تقليل ثقة الجماهير بعملية الاقتراع وما قد ينتج عنها، امر حاولت الأمم المتحدة معالجته من خلال توفير مراقبة دولية على الانتخابات.
اكبر بخمسة مرات.. جهود دولية لــ "مراقبة" الانتخابات العراقية وليس نسب المشاركة فيها
أعلنت ممثلة البعثة الأممية الى العراق جنين بلاسخارت، في السابع من الشهر الحالي، عن ان المشاركة الأممية في الانتخابات العراقية المقبلة، والتي ستتمحور حول المراقبة، تهدف الى رفع نسبة الثقة لدى المقترعين بالعملية الانتخابية، من خلال تقديم تطمينات تؤكد عدم وقوع عمليات تزوير او تاثير على الناخبين، من خلال الجهود الدولية الرقابية.
بلاسخارت اكدت، ان البعثة الأممية لمراقبة الانتخابات العراقية ستكون هي الأكبر من نوعها، موضحة، ان الكوادر الأممية المخصصة حاليا لمتابعة الانتخابات وصلت الى خمس اضعاف العدد السابق الذي تواجد خلال انتخابات عام 2018، تصريحات بلاسخارت تاتي عقب نشر معهد بروكينز للدراسات، تقريرا اكد فيه وجود رقابة دولية مستمرة على الانتخابات العراقية السابقة، والتي شهدت عمليات تزوير وتاثير مباشر على الناخبين.
المبعوثة الأممية دعت الشعب العراقي الى "المشاركة في الانتخابات"، مؤكدة "المشاركة ستمنع وقوع حالات تزوير واحتيال وستضمن نزاهة الانتخابات وشفافيتها"، فيما اكد بوريل من جانبه، ان هدف الجهود الدولية الممثلة بالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، بالإضافة الى ما يزيد عن 130 مراقب من سفارات اجنبية دعتهم الحكومة العراقية بشكل منفرد لمراقبة الانتخابات، تهدف الى تعزيز العملية الانتخابية و "ضمان نزاهتها قدر الإمكان".
منظمة جست سيكوريتي المعنية بالامن السياسي، نشرت دراسة سياسية في الرابع عشر من الشهر الحالي، اكدت خلالها، ان اكبر المشاكل التي تواجه الانتخابات المقبلة في العراق هو "نسب المشاركة"، وليس الخلافات حول الفائز من عدمه، على حد وصفها، مشيرة الى ان العائق الأكبر امام الانتخابات المقبلة، هو "شعور العراقيين العام بعدم جدوى المشاركة"، امر دعت الجهات الدولية والحكومة العراقية الى التعامل معه بشكل مباشر قبل فوات الأوان.
الحكومة والجهات الدولية لم تستوعب مشكلة المقاطعة
وبينت المنظمة خلال دراستها، ان الجهات الدولية والمحلية المسؤولة عن الانتخابات العراقية، فشلت في تحديد المشكلة الرئيسية التي تدفع بالناخبين الى مقاطعة العملية الانتخابية المقبلة، حيث تركز الأمم المتحدة على "المشاكل التقنية التي تواجه عملية الاقتراع ذاتها، وتحرص على وضع الإجراءات والنظم الكفيلة بضمان عملية اقتراع سليمة، فيما تتجاهل المشكلة الرئيسية".
وأوضحت "يتوقع المجتمع الدولي ان توفير بيئة انتخابية مناسبة خلال أيام الاقتراع ستكون كفيلة بضمان مشاركة اكبر من الناخبين، بالإضافة الى تدريب وتجهيز المتظاهرين للمشاركة في الانتخابات، امر بعيد عن الواقع"، بحسب وصف الشبكة التي اكدت أيضا "ان غالب جماهير الممثلين السياسيين للمتظاهرين هم من المواطنين الذين أصيبوا بالياس من النظام الحالي، ويعزفون عن المشاركة اكثر في دعم وجوده".
وبينت المنظمة أيضا "ان الأمم المتحدة تملك تصورا خاطئا بان تقريب وجهات النظر بين المتظاهرين والأحزاب السياسية الحالية، يتضمن إقامة تنظيمات سياسية خاصة بالمتظاهرين، توقع خاطئ كون المتظاهرين أنفسهم غير منظمين سياسيا، انما مدفوعين باليأس من النظام السياسي الحالي على اختلاف وجهات نظرهم وميولهم السياسية".
كما وبينت المنظمة ان "العراقيين لم تكن لهم يد في إقامة النظام الذي لحق القضاء على النظام البعثي السابق في العراق، العقد الاجتماعي الذي أقيم ركز على الطبقات السياسية وتقسيم السلطة بينها، دون الانتباه الى الواجبات التي تحملها تلك السلطات مثل توفير الخدمات الأساسية، الامر الذي خلق انطباعا لدى الشباب بان الانتخابات غير مجدية في تحقيق تغيير فعلي على ارض الواقع".
وشددت جست سيكوريتي على ضرورة ان "يتخذ المجتمع الدولي والحكومة العراقية الخطوات الكفيلة بحل المشاكل التي تمثل دافعا للمقترعين لمقاطعة الانتخابات قبل إطلاق عملية التصويت، واهمها مخاطبة مشكلة المحاصصة وبيان قدرة المشاركين على احداث التغيير في شكل ونوع السلطة الحالية عبر التثقيف بسبل التغيير السياسي التي تتيحها المشاركة بالانتخابات وضمان وفاق حزبي على تنفيذه"، مشيرة الى ان "التغيير يجب ان يبدا قبل الشروع بعملية الاقتراع".
نظام التوافقات السياسية ما يزال النموذج القائم.. أسباب المقاطعة
وصفت مجلة وار اون روكس الامريكية في تحليل لها نشرته في العشرين من الشهر الحالي، ان احد اكبر أسباب المقاطعة للانتخابات بالإضافة الى الياس من التغيير السياسي عبرها لفقدان الثقة بالعملية الانتخابية، امر تعمل الجهات الدولية على علاجه، هو استمرار نظام التوافق السياسي في إدارة السياسة المشتركة بين الأحزاب المسؤولة عن السلطة.
وبينت المجلة ان "الراي العام العراقي يرى بان الانتخابات لن تنتج سوى حكومة محاصصة أخرى وان كانت هنالك أحزاب سياسية تمثل المتظاهرين مشاركة بها"، مضيفة "نظام المحاصصة الذي حرص على توزيع الثروات بين الأحزاب من خلال الوزارات والدرجات الخاصة، جعل من الصعب على الحكومة تطبيق أي إصلاحات او محاسبة أي جهات مسؤولة عن الفشل في واجباتها العامة".
المجلة اكدت ان المعوق الأكبر امام تغيير الراي العام حول المشاركة بالانتخابات يأتي نتيجة لاصرار "النخبة السياسية الحاكمة على المحافظة على نظام المحاصصة، الامر الذي قاد الى رفض شعبي واسع لشخصيات وأحزاب هذه النخبة، ترجم الى رفض المشاركة في الانتخابات التي تتضمن مشاركتهم فيها".
وتابعت "من أسباب رفض المشاركة أيضا وجود ارض لعب غير متساوية بين الجهات السياسية الجديدة الساعية للتغيير والنخبة السياسية القديمة، حيث تمتلك الأخيرة التمويل والنفوذ السياسي والانتخابي، فيما سيؤدي عزوف الراغبين بالتغيير عن المشاركة في الانتخابات المقبلة الى جعل ذلك التغيير امرا أكثر صعوبة".
نتائج المقاطعة.. حكومة محاصصة جديدة
شددت المجلة أيضا على ان العزوف عن المشاركة في الانتخابات المقبلة من قبل المقترعين سيؤدي بالنتيجة الى حفاظ الأحزاب السياسية الحالية ونخبتها على سيطرتهم البرلمانية، و "على الرغم من ان التوقعات تشير الى ان الأحزاب الكبرى مثل تحالف الفتح، الكتلة الصدرية وتحالف قوى الدولة، سيتسيطر على نتائج الانتخابات، الا انها لن تستطيع الحصول على اكثر من ستين مقعد، الامر الذي سيؤدي الى اجبار هذه الكتل الى التوافق مع سبع أحزاب أخرى على الأقل لتشكيل حكومة تكون بالنتيجة، حكومة محاصصة"، على حد تعبير المجلة.
شبكة تي ار تي أوردت نقلا عن محللين سياسيين في الثالث والعشرين من الشهر الحالي، ان من أسباب العزوف عن الانتخابات أيضا سيطرة الأحزاب السابقة والشخصيات السياسية من النخبة على الدعاية في الشارع العراقي نتيجة لامتلاكهم الموارد المالية والنفوذ السياسي الضامن لذلك، مؤكدة، ان الرغبة بالتغيير السياسي لا تترك مجالا الا "عبر المشاركة الفاعلة والواسعة في الانتخابات، والتي ستؤدي الى منح المستقلين والأحزاب الجديدة مقاعد في البرلمان تمكنهم من التاثير على الواقع السياسي وتنفيذ الإصلاحات بشكل اكبر".
وتابعت "على الرغم من التظاهرات، فان التغيير السياسي الحقيقي لا يمكن ان يأتي الا عبر دورات انتخابية عديدة اذا ما شهدت الانتخابات الحالية نسبة مشاركة ضئيلة"، الامر الذي يجعل من المشاركة في الانتخابات المقبلة امرا ضروريا لتحقيق التغيير في اقرب وقت ممكن، على حد تعبير الشبكة.
