العواصف الترابية تهدد الاقتصاد العراقي.. زيادة بنسب البطالة وتراجع في المستوى الأمني وسط اهمال حكومي
البرنامج البيئي للأمم المتحدة، صنف العراق مؤخرا كخامس دولة على مستوى العالم من المتوقع ان تعاني الجزء الأكبر من التاثيرات السلبية للتغير المناخي الحالي، امر عظمت من تبعاته الإجراءات الحكومية شبه الغائبة او الخاطئة، بالإضافة الى الفساد الإداري المنتشر واستمرار التعطل السياسي الحالي الذي بات يقف عائقا امام أي تحركات رسمية ممكنة لمعالجة الأوضاع وسط توقعات بانتشار اكبر لنسب البطالة، وتراجع كبير في المستوى الأمني.
المشاريع السابقة التي وضعتها السلطة بعد سلسلة من التحذيرات والانذارات الصادرة عن الأمم المتحدة من اقتراب خطر التغير المناخي وانتشار العواصف الترابية وما لها من تاثيرات سلبية، باتت اليوم بين معطلة وأخرى فاشلة نتيجة لتقلص حصص العراق المائية بعد قيام دول المنبع متمثلة بتركيا وايران، بانشاء سلسلة من السدود والبحيرات الصناعية، في محاولات منها لتفادي التاثيرات السلبية للتغير المناخي، والتي باتت حاليا واقعا على الساحة العراقية.
سيناريو التغير المناخي يأتي في خضم أوضاع سياسية واقتصادية متباينة عطلت من قدرة السلطات على إيجاد وتنفيذ الحلول بشكل عاجل، على الرغم من الانتعاش الاقتصادي النسبي الذي يشهده الاقتصاد العراقي مدفوعا لارتفاع أسعار النفط التي أتت كنتيجة للغزو الروسي على أوكرانيا، انتعاش اقتصادي وصفته شبكة ذا ناشيونال نيوز بانه "الفرصة الأخيرة للعراق لإنقاذ اقتصاده قبل الانهيار الحتمي المتوقع"، على حد وصفها.
التاثيرات الحالية.. اختفاء البحيرات وتوقعات بــ "انهيار" البنى التحتية والمواقع الاثرية
التبعات السلبية والتي ما يزال العالم يتوقع حدوثها قريبا، باتت واقعا ملموسا في العراق بحسب ما أوردت صحيفة الغارديان البريطانية في تقرير لها نشرته في الخامس عشر من ابريل الماضي، اكدت خلاله، ان البلاد ستشهد انهيارا في قطاع السياحة الناشئ على الرغم من الانتعاش النسبي الذي بات يحظى به حاليا مع تحسن الأوضاع الأمنية في معظم أجزاء البلاد.
بداية تلك التاثيرات انطلقت من بدا تصدع وانهيار المدن السياحية والمواقع الاثرية الحالية نتيجة لارتفاع نسب الملوحة التي تبعت الجفاف الشديد الذي تعاني منه البلاد، حيث اكد البروفيسور المختص بعلوم بلاد النهرين في جامعة كامبردج اوغست مكهون في حديث للشبكة، ان المدن الاثرية مثل اور وبابل، باتت الان عرضة للانهيار بسبب تاكل بنيانها الطيني نتيجة لارتفاع نسب الملوحة، الامر الذي قال انه سيؤدي الى "فجوة كبيرة في المعرفة البشرية، حيث تنهار الان البنى والعمران لاقدم المدن البشرية في التاريخ"، محذرا مما وصفه "انهيار المعالم التاريخية في بلد مهد الحضارات".
تحذيرات مكهون تبعتها أخرى صدرت عن المختص الجيواركيلوجي جعفر جوثري، الذي وصف في حديثه للشبكة نسبة الملوحة في المدن الاثرية العراقية بانها "عنيفة"، مؤكدا ان استمرارها على النسب المرتفعة الحالية سيؤدي في المستقبل القريب الى "تدمير المدن الاثرية، تدمير الرقم الطينية، وتدمير كل شيء مرتبط بالحضارات الرافدينية القديمة".
تهديد المواقع الاثارية العراقية كان المشهد الأول لتبعات التغير المناخي على الأوضاع العراقية، حيث اكدت الأمم المتحدة بحسب الصحيفة، ان الأجواء العراقية باتت "اكثر حرارة وجفاف عن السابق بنسبة الضعفين، وباتت العواصف الترابية التي تهدد الامن الغذائي العراقي ترتفع من 120 يوم في العام، الى 300 يوم، الامر الذي سيغمر معظم مدن الجنوب العراقي بالاخص بالمياه المالحة التي تدمر النبات والعمران".
معالم الانهيار المناخي في العراق كما وصفته منظمة نيو سيكيورتي بيت في تقرير نشرته في التاسع من الشهر الحالي، أصبحت واضحة المعالم بعد جفاف مجموعة من البحيرات التي تعد موارد حيوية للامن الغذائي العراقي، منها بحيرة ساوة، بحيرة حمرين وبركة ام النعناع وهور أبو زرك، اختفت بحيرة ساوة كليا تاركة خلفها ارضا صحراوية لا تصلح للعيش البشري.
ذا وذر تشانل الامريكية المعنية بتقارير الطقس، وصفت اختفاء بحيرة ساوة الواقعة الى الغرب من محافظة المثنى، بانه مؤشر خطير ينذر بتبعات اقتصادية، بيئية وبشرية عظيمة التاثير السلبي على الأوضاع العراقية، مؤكدة، ان البحيرة التي كانت تعد مركز توطين لاكثر من 31 نوعا من الطيور والاسماك، باتت الان ارضا مصدعة، الامر الذي ينذر بالتبعات السلبية القادمة على العراق، حيث "باتت تلك التاثيرات واضحة المعالم والخطورة في العراق خصوصا بعد انخفاض نسب الامطار الى 65% عن المعدل الطبيعي".
منظمة سيكيورتي بيت من جانبها اكدت أيضا، ان الأوضاع الحالية وغياب الاهتمام الفعلي بالتعامل مع تبعات التغير المناخي في العراق على الرغم من كون البلاد خامس اكثر بلدان العالم تاثرا بتبعات التغير السلبية، ستؤدي في المستقبل القريب الى "انهيار في البنى التحتية والخدمية للبلاد، بالإضافة الى انتشار اكبر للبطالة وتراجع كبير يصل الى الانهيار في الاقتصاد العراقي"، مشددة على ضرورة ان تتخذ الحكومة العراقية إجراءات عاجلة للتقليل من الاثار السلبية للتغير المناخي "قبل فوات الأوان"، على حد تعبيرها.
تسمم الهواء وتعطل انتاج الغذاء مصحوبا بتراجع امني وانتشار اكبر للبطالة.. تاثيرات قريبة المدى
المنظمة اكدت أيضا في تقريرها الصادر في التاسع من الشهر الحالي، ان التحذيرات الأممية من انهيار الأوضاع البيئية في العراق، سيترك اثار هائلة التاثير السلبي على الأوضاع الإنسانية في العراق، موضحة "ان انهيار القطاع الزراعي نتيجة للتصحر وانتشار العواصف الترابية والتي تمثل فرص عمل تشغل تقريبا 20% من الوظائف الحالية داخل البلاد، ستؤدي الى انتشار اكبر للبطالة في بلاد تواجه مسبقا نسبا مرتفعة منها"، على حد تعبيرها.
انتشار البطالة وخصوصا في المناطق التي تشهد تكرارا للتظاهرات السياسية الناقدة للفشل الحكومي المستمر، وانهيار البنى التحتية والخدمات، ستؤدي بحسب توقعات المنظمة الى ارتفاع نسب تلك التظاهرات وحديتها، الامر الذي يقود الى تراجع اكبر في المستوى الأمني الحالي خصوصا مع "انهيار العقد الاجتماعي بين السلطة والشعب داخل البلاد وانتشار الفساد والبطالة وسوء الإدارة، الامر الذي سيقود الى تبعات إنسانية خطيرة على سكان المناطق الجنوبية من العراق خصوصا"، على حد تعبيرها.
التراجع الأمني وارتفاع نسب البطالة ليست الاخطار الوحيدة التي تواجه البلاد بحسب تقرير المنظمة وتحذيرات الأمم المتحدة، بل تعداه ذلك، الى انهيار قدرة العراق على انتاج الأغذية الأساسية للسكان، الامر الذي ينذر بوقوع "كارثة إنسانية" في البلاد ما لم يتم التعامل بجدية مع الأوضاع الحالية، امر سيفاقمه بحسب المنظمة ما وصفته بــ "تسمم الهواء" في العراق، نتيجة لانهيار البنية التحتية للطاقة الكهربائية، واعتماد السكان على المولدات الخاصة ذات الانبعاثات الكاربونية الهائلة، بالإضافة الى تبعات استخراج النفط وحرق الغاز المستمرة في البلاد منذ سنوات.
هذه التبعات ستقود الى تاثيرات سلبية اكبر في العراق بحسب المنظمة، نتيجة لغياب الكوادر الطبية القادرة على معالجة التراجع الصحي الخطير للسكان نتيجة العوامل السابقة، بالإضافة الى تراجع نسب المياه الصالحة للشرب والزراعة نتيجة لارتفاع نسب الملوحة والجفاف وانتشار العواصف الترابية، لتؤكد أيضا، ان اجتماع تاثيرات ارتفاع نسب البطالة وانهيار قطاع الزراعة وانتشار التسمم البيئي وتراجع الامن كنتيجة سيقود في النهاية الى "ازمة إنسانية كبيرة" تعصف بالعراق خلال الفترة القليلة المقبلة.
الإهمال والفساد الحكومي.. لا حلول قريبة تلوح في الأفق
التوقعات بتعاظم التاثيرات السلبية للتغير المناخي على الأوضاع العراقية، فاقمته بحسب المنظمة، غياب الحلول الفعلية من السلطة، خصوصا مع "تعطل تشكيلة الحكومة المقبلة نتيجة للخلافات السياسة الحالية المستمرة منذ العام الماضي"، مؤكدة "الى هذه اللحظة، لم تقم السلطات العراقية باتخاذ أي إجراءات فعلية او تبني استراتيجيات حقيقية لمواجهة التغير المناخي في البلاد".
وتابعت "الفساد الإداري يحل في المرتبة الأولى ضمن الأسباب الرئيسية التي عطلت من قدرة العراق على مواجهة الازمة المناخية الحالية، بالإضافة الى التنافس السياسي، حيث فشل العراق بوضع أي استثمار فعلي طويل الأمد ببناه التحتية او تنويع مصادر دخله وتوجيه الاقتصاد نحو مصادر اقل ضررا للبيئة الامر الذي قاد أيضا الى فشلها في تحقيق مطالب السكان الاقتصادية والاجتماعية في عموم البلاد".
واختتمت المنظمة تقريرها بالتشديد على ان السلطات في العراق "احد اكثر بلدان العالم عرضة للدمار بسبب تاثيرات التغير المناخي" وبسبب فشلها في الملفات السابقة، وضعت البلاد في موقف اكثر عرضة لخطر التغير المناخي، الامر الذي يتطلب بحسب المنظمة "تحركا عاجلا بدعم من شركاء العراق لوضع خطط طويلة الأمد لمواجهة ازمة التغير المناخي وتبعاته على البلاد، الامر الذي سيقود الفشل فيه الى مخاطر هائلة على الأوضاع العراقية وخصوصا الإنسانية والأمنية"، على حد تعبيرها.
