المرأة العراقية في البرلمان... حضور عددي بلا تأثير تشريعي
رغم حضورها العددي المتزايد تحت قبة البرلمان العراقي خلال الدورات الأخيرة، ما يزال تأثير المرأة محدوداً داخل المؤسسة التشريعية، إذ يؤكد مختصون في الشأن القانوني أن مشاركة النائبات على مدى خمسة دورات انتخابية، امتدت لعقدين من الزمن، لم تُترجم إلى قدرة فعلية على إحداث تغيير تشريعي أو تعديل قوانين نافذة.
وجاء في تقرير لصحيفة العرب وتابعته "المطلع"، أنه:"يرى نشطاء وحقوقيون أن صوت المرأة، بدل أن يكون أداة للدفاع عن حقوقها، أصبح إما مغيّبا أو مستغلاً ضد مصالحها، في وقت تعاني فيه قضايا الأسرة من الإهمال والتأجيل المتكرر، وفي مقدمتها قانون مناهضة العنف الأسري".
وتأتي هذه الانتقادات في ظل استمرار الجمود البرلماني الناجم عن صراعات سياسية داخل رئاسة المجلس، وتعطّل عدد كبير من القوانين المهمة، وهو ما يهدد بتفاقم الأزمات الاجتماعية، خاصة في ما يتعلق بحقوق النساء والأطفال.
وقالت النائبة نور نافع إنه:"من ناحية العدد تمثيل النساء في البرلمان جيد، لكن المشكلة في التمثيل النوعي فهو قليل جداً بسبب وجود البعض (من النساء) غير المتمكنات واللاتي تتم السيطرة عليهن من قبل أحزابهن".
وأضافت أن، هناك مشكلة في دعم النساء للنساء فما يحدث هو العكس؛ فالنساء يدعمن الرجال، وحتى النساء اللاتي يرشحن للانتخابات يحصلن على دعم الرجال أكثر من النساء.
وقالت أزهار زيد الجبوري، رئيسة مؤسسة المدى لحقوق الإنسان وعضو شبكة النساء العراقيات، إن:"الآمال كانت كبيرة في أن تسهم النائبات في الدفاع عن قضايا المرأة ونقل معاناتها، لكن ما حدث هو العكس؛ فصوت المرأة إما مغيب بالكامل أو يُستعمل أحيانا ضد النساء أنفسهن".
وأضافت أن:"بعض عضوات البرلمان يعملن ضد قضايا النساء، وهناك أحزاب تختار نائبات غير ملمات بثقافة حقوق الإنسان لضمان عدم المطالبة بحقوق المرأة داخل المجلس"، معتبرة أن:"هذا التوجه مقصود ويشكّل جزءاً من عملية ممنهجة لإقصاء المرأة من دوائر القرار".
وانتقدت الجبوري التعديلات الأخيرة التي طالت قانون الأحوال الشخصية، ووصفتها بأنها انتكاسة خطيرة أعادت النساء إلى ما يشبه عصور الجاهلية.
وأوضحت أن:القانون حرم الطفلة من الحضانة، وأباح زواج القاصرات، وسلب المرأة حقوقها الزوجية، وحتى في مرحلة الشيخوخة تُحرم من إرث زوجها".
وكانت "هيومن رايتس ووتش" قد أكدت أن:"تعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي، الذي دخل حيز التنفيذ في 17 فبراير 2025 بعد شهور من المشاحنات القانونية والسياسية، ينتهك حقوق النساء والفتيات في المساواة أمام القانون، ويعرضهن لخطر انتهاكات أخرى. إلا أن الضغط المستمر من قِبل منظمات حقوق المرأة خفّف جزئيا أضرار التعديل من خلال الإبقاء على أحكام تتعلق بالسن الأدنى للزواج، وحضانة الأطفال وتعدد الزوجات، لكن القانون المُعدَّل يضم أحكاما أخرى تُهدد حقوق النساء والفتيات".
ةبدوره أكد المحلل السياسي مخلد حازم أنه، من خلال متابعتهم لدور المرأة في البرلمان خلال الـ20 سنة الماضية اكتشفوا أنه كان محدوداً جداً.
وأشار حازم إلى أن:"هناك بعض الأسماء التي تعد على أصابع اليد لهن دور في ما يخص القوانين والتشريعات والاعتراضات والاستجوابات، لذلك لم يشهدوا دورا حقيقيا للمرأة في البرلمان".
وقال حازم إن، الكثير من النائبات صعدن إلى البرلمان عبر الكتلة السياسية التي ينتمين إليها، وهن لا يستطعن الانحراف عن مسار كتلتهن ويخضعن لإرادة زعمائهن وبالتالي لم نسمع لهن صوتا معارضا حقيقيا يدفع باتجاه تقديم ما يخدم المصلحة العامة.
ويرى أن:"أغلب البرلمانيين، رجالاً ونساء، الموجودين حالياً ينتمون إلى كتل سياسية ورؤساء هذه الكتل يتبعون مصالحهم وعلاقاتهم وارتباطاتهم، ولهذا لم يشهدوا واقعا ديمقراطيا حقيقيا في البرلمان والسلطة التنفيذية".
وعن تمكين المرأة ومشاركتها الحقيقية في الحياة السياسية، أوضحت النائبة السابقة ندى الجبوري أن:"الملف النسوي في العراق من أهم الملفات السياسية بامتياز، وعندما راجعوا تقرير جمهورية العراق لمنهاج عمل بيجين 2024، وجدوا الكثير من الفجوات وأهمها عدم تمثيل قيادة نسوية في الرئاسات الثلاث وحتى في مجلس القضاء الأعلى، فتواجد النساء لا يرتقي إلى ما كفله الدستور ولا إلى ما سيخرج به التعداد السكاني لحجم النساء، فهناك غبن وتمايز كبير في المشاركة في صنع القرار".
وقالت الجبوري إن، الموضوع الأهم هو ما صادق عليه العراق من اتفاقيات دولية ومنها القرار 1325 الذي ينص على مشاركة المرأة في صنع القرار السياسي، حيث أن الدستور كفل تمثيل النساء في المجالس التشريعية بنسبة 25 في المئة لكن هذا لا يكفي فالقرارات التنفيذية تكون محصورة بالقيادات الذكورية وهذه أهم الفجوات.
وأضافت أن:"وجود القيادات النسوية يقود إلى تحقيق التنمية المستدامة بأهدافها الـ17 في عام 2030، وكذلك لن يجعلهم يمرون بما يمرون به الآن من محاولات لتعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959 والخلافات الكبيرة بين الشارع وصانع القرار".
وبينت النائبة السابقة أنه:"دون تعديل هذا التمييز في تواجد النساء وحسب كفاءتهن في صنع القرار التنفيذي سيؤثر ذلك على اللحمة المجتمعية ويؤجل تصدير تشريعات تصب في مصلحة المجتمع والطفل وكبار السن قبل المرأة".
وسلطت ندوة بعنوان المشاركة السياسية للمرأة العراقية عقدها قسما الدراسات السياسية وشؤون المرأة الضوء على جوانب عديدة بشأن المشاركة السياسية للمرأة في العراق.
ولأنه لا يمكن لأي دولة أن تحقق التنمية الشاملة وبناء المجتمع ما لم يكن للنساء دور في صياغة القرارات، ومشاركةٌ فاعلةٌ في مؤسسات السلطة بمختلف المستويات، أوصت مجموعة من الباحثات في ختام الندوة بتشريع قوانين لحماية المكتسبات التي تحققت للمرأة قبل أو بعد 2003، ويستثنى من ذلك ما يخالف دستور عام 2005.
وكما أوصت بتشريع قوانين انتخابية صديقة للمرأة، وتعليمات تنفيذ القوانين والتميز الإيجابي، وكذلك بتعديل القوانين التي تتضمن كوتا تنفيذية نافذة مع تشريع قوانين تتضمن كوتا تنفيذية نسوية ملبية للطموح.
هذا إضافة إلى تأسيس وزارة بحقيبة كاملة معنية بشؤون المرأة، وتعديل قانون الأحزاب السياسية بحيث يلزم الأحزاب بمنح النساء نسبة لا تقل عن 25 في المئة من مواقع القيادة، وبتقديم تقارير فصلية عن التوزيع بين الجنسين، وتفرض عقوبات على الذين لم يلتزموا بها مثل حجب التمويل المالي ورفض تسجيل قوائمهم الانتخابية.
وطالبت الباحثات بوجوب تبني النظام السياسي في العراق لسياسة واضحة المعالم تجاه دمج قضايا النوع الاجتماعي في المجالات كافة، تتولد عنها خطط وبرامج وتشريعات داعمة لقضايا المرأة وتحديدا لحقوقها السياسية، مع تخصيص موازنات مناسبة لتنفيذ هذه السياسة بخططها والنهوض بواقع المرأة.
ومع اقتراب انتهاء عمر الدورة البرلمانية الحالية، تتجه الأنظار إلى الانتخابات التشريعية المقررة في 11 نوفمبر 2025، وسط تساؤلات حول مدى قدرة البرلمان الحالي على استكمال أي من القوانين العالقة، خاصة تلك التي تتعلق بحقوق المرأة والأسرة، في ظل انقسام سياسي وتحديات تشريعية مستمرة.
ورغم مواجهة الإقصاء التاريخي للنساء من المجال السياسي، وما أولته جميع الاتفاقيات والآليات الدولية لمبدأ المساواة والقضاء على كافة أشكال العنف والتمييز ضد النساء من أهمية كبيرة، لا تزال النساء يواجهن تحديات هيكلية داخل المجال السياسي، حيث بلغت نسبة المقاعد التي تشغلها النساء في البرلمانات الوطنية على مستوى العالم 26 في المئة فقط في سنة 2020، ويأتي العراق في المرتبة الثانية بعد الإمارات بمشاركة النساء في البرلمان، حيث شغلن 28.9 في المئة من عدد المقاعد في انتخابات 2021.
وفي جميع البلدان يتحدد دور الأحزاب السياسية في التعبئة السياسية وتسمية المرشحين والمرشحات لتمثيل تطلعاتها في الانتخابات المحلية والوطنية، وتوفير التمويل للحملات الانتخابية وتقديم خدمات عامة بغية الوصول إلى السلطة، كما أن الأحزاب الحاكمة هي التي تحدد أولويات خطط السياسات العامة للمجتمع والقوانين الناظمة لحياة الأفراد وتعيين الأشخاص لشغل المناصب القيادية داخل الحكومة.
وتلعب الأحزاب السياسية دوراً محورياً في مشاركة النساء السياسية، وأيضا تؤثر توجهات الأحزاب التمييزية ضد النساء على تمكين النساء سياسياً. لذلك تعد الأحزاب من أهم المؤسسات والهيكل الأساسي الذي تستطيع النساء من خلاله الوصول إلى المناصب السياسية.
وفي مؤشر صدر عن الأمم المتحدة للمرأة لعام 2020، احتل العراق المرتبة 70 عالمياً بنسبة تمثيل النساء في المجلس النيابي، والمرتبة 176 بنسبة تمثيل النساء في الكابينة الوزارية ، حيث تراجعت نسبة مشاركة النساء في الكابينات الوزارية بعد الدورة الأولى، مع ثبوت نسبة الربع لمشاركة النساء في السلطة التشريعية للدورات الانتخابية الأربع بعد 2003.
ويثير هذا التفاوت في مستوى التمثيل تساؤلات عديدة عن طبيعة توجهات الأحزاب السياسية لإشراك النساء وتمكينهن في المجال السياسي مجال السلطة، وعن مدى التزامها بمبدأ المساواة.
