المكون المسيحي بالعراق بين المخاطر والمقاعد: تحذيرات قبل الانتخابات المقبلة
قبل شهر من موعد الانتخابات البرلمانية العراقية المقررة في نوفمبر 2025، يتصاعد القلق داخل المكون المسيحي من فقدان تمثيله الحقيقي في البرلمان المقبل، وسط تحذيرات من “مصادرة” صوته لصالح جهات مرتبطة بفصائل مسلحة مدعومة من قوى نافذة في الإطار التنسيقي.
ساكو: لن نقبل بتمثيل فاسد أو مسلح
حذّر بطريرك الكلدان في العراق والعالم، الكاردينال لويس ساكو، من خطورة أن يُمثَّل المسيحيون في البرلمان من قبل “جهات فاسدة ومسلحة”، داعياً إلى تصحيح آليات التمثيل وضمان استقلالية الصوت المسيحي.
وقال ساكو في بيان أصدره مساء الخميس، إن على “العراقيين عموماً والمسيحيين خصوصاً المشاركة الكثيفة في الانتخابات القادمة، والتصويت لمن يتمتع بالنزاهة والقدرة والإخلاص ويؤمن بتنوع العراق واستقلاله”.
وأضاف أن: “الكنيسة الكلدانية ترفض أن يُمثّل المسيحيين أشخاص مكشوف فسادهم، أو جماعات مسلحة تتحكم بمقدراتهم وتسيطر على بلداتهم وسهل نينوى”، مؤكداً أن “المكون المسيحي لن يكون وقوداً لصراعات داخلية أو أداة بيد القوى المتنفذة”.
ورغم أن ساكو لم يذكر أسماء محددة، إلا أن مؤشرات سياسية عدة تُظهر أن انتقاداته موجهة نحو فصيل "بابليون" الذي يقوده ريان الكلداني، والمقرّب من قيادات في الحشد الشعبي وقوى الإطار التنسيقي، والذي استحوذ على معظم مقاعد المكون المسيحي في البرلمان الحالي.
مطالبات بحصر التصويت داخل المكون
أوضح ساكو أن الكنيسة طالبت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بحصر التصويت على مقاعد الكوتا بالمسيحيين حصراً، لضمان تمثيلهم الفعلي، إلا أن هذا المطلب لم يُنفّذ.
وشدد على أن “المسيحيين لن يستسلموا رغم جراحهم، وسيسعون بجد لتحقيق حقهم الدستوري الذي يضمن مستقبلهم وبقاءهم في العراق”، مؤكداً أن “الكنيسة الكلدانية لا تبيع نفسها ولن تستسلم للظلم”.
تحذيرات ساكو تأتي امتداداً لتحذيرات سابقة أطلقها الشهر الماضي حول “استمرار سيطرة فصائل ومجموعات مسلحة” على مناطق سهل نينوى ذات الغالبية المسيحية، معتبراً أن التمثيل النيابي للمسيحيين “مُصادَر” من قبل تلك الجماعات المسلحة.
ناشطون: خطر تهميش الصوت المسيحي
بدورهم، عبّر ناشطون من المكون المسيحي عن مخاوفهم من استمرار تدخل الجماعات المسلحة في اختيار ممثليهم داخل البرلمان.
وقال الناشط السياسي غسان متي في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن “استمرار تدخل القوى المسلحة في تحديد هوية الممثلين المسيحيين سيؤدي إلى تفريغ تمثيلنا من مضمونه الوطني، ويجعل الصوت المسيحي تابعاً لكتل نافذة من خارج المكون”.
وأوضح أن آلية التصويت الحالية تسمح لجميع العراقيين بالتصويت لمقاعد الكوتا، وهو ما يتيح للأحزاب الكبيرة – ولا سيما الشيعية – دعم مرشحين مسيحيين موالين لها، مما “يشوّه إرادة المكون الأصلي ويضيع هويته السياسية”.
وطالب متي بتعديل نظام الكوتا ليصبح التصويت عليها مقصوراً على أبناء المكون المسيحي فقط، “كي لا يُختزل وجودنا في ديكور سياسي يخدم أجندات الآخرين”.
الكوتا المسيحية بين النص الدستوري والواقع السياسي
يُخصص الدستور العراقي تسعة مقاعد للأقليات ضمن مبدأ الكوتا، منها خمسة للمسيحيين في محافظات بغداد ونينوى وأربيل وكركوك ودهوك، غير أن نظام التصويت العام جعل هذه المقاعد عرضة لتدخل القوى المتنفذة التي تمتلك قواعد انتخابية واسعة.
ويخشى ناشطون أن تتحول الكوتا إلى أداة بيد الأحزاب الكبيرة لتمرير نفوذها عبر ممثلين شكليين من المكونات الصغيرة.
خلفية: انتخابات مثقلة بالمال والنفوذ
تأتي هذه المخاوف في سياق أوسع من التنافس الانتخابي المحموم، حيث تشهد الانتخابات العراقية لعام 2025 مشاركة غير مسبوقة لأكثر من 7900 مرشح موزعين على نحو 300 حزب وكتلة سياسية، وسط تحذيرات من تصاعد المال السياسي وتراجع ثقة الناخبين.
ومع استمرار مقاطعة بعض التيارات – وعلى رأسها التيار الصدري – واحتدام المنافسة بين القوى التقليدية والفصائل المسلحة، يبرز ملف تمثيل الأقليات كأحد الاختبارات الأخلاقية والسياسية لنزاهة العملية الانتخابية المقبلة.
