انتخابات العراق 2025… بين الإغراءات الغذائية ووعود الإصلاح السياسي الحقيقي
السلة الغذائية تتصدر المشهد الانتخابي
تصدّرت “السلة الغذائية” التي تضم مواد تموينية أساسية مثل السكر والرز والزيت والفاصوليا، مشهد الدعاية الانتخابية في العراق، وسط تساؤلات واسعة عن مدى قانونية هذا النوع من الحملات، وما إذا كان يشكّل خرقاً انتخابياً أو استغلالاً لحاجة الناس.
وأكّد عضو الفريق الإعلامي لمفوضية الانتخابات، حسن هادي الزاير، في تصريحات تابعتها المطلع، أن توزيع السلات الغذائية لا يُعدّ مخالفة انتخابية إذا كانت ممولة من أموال المرشح الخاصة، موضحاً أن “نظام الحملات الدعائية رقم (4) لسنة 2025 يحظر على المرشحين الإنفاق من المال العام أو من موازنة الدولة، لذلك فإن تمويل هذه السلات من المال الشخصي لا يندرج ضمن الخروقات”.
وأشار الزاير إلى أن المفوضية تتابع بدقة مصادر تمويل الحملات الانتخابية للتأكد من عدم استخدام موارد الدولة، محذراً من أن أي خرق في هذا الجانب سيعرّض صاحبه للمساءلة القانونية.
المفوضية تشدد على ضبط التمويل الانتخابي
تواصل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق إصدار توجيهاتها لمنع التجاوزات في الحملات الانتخابية التي انطلقت الأسبوع الماضي، وتشمل التعليمات الخاصة بالإنفاق المالي، والحدّ من تأثير المال السياسي.
وقالت نبراس أبو سودة، مساعد الناطق الإعلامي في المفوضية، إن “التعليمات الخاصة بسقف الإنفاق الانتخابي وُضعت لضمان العدالة والشفافية بين المرشحين”، موضحة أن الحد الأعلى للإنفاق هو 250 ديناراً عراقياً عن كل فرد في الدائرة للمرشح الفرد، فيما يُحتسب للأحزاب والتحالفات بعدد مرشحيها.
وأضافت أن المفوضية منعت بشكل قاطع استلام أي تبرعات من جهات أجنبية أو مؤسسات الدولة أو المصارف الحكومية، مؤكدة أن جميع المساهمات العينية تُحتسب ضمن سقف الإنفاق ويجب توثيقها مالياً، مع إلزام كل مرشح بتعيين محاسب مالي يقدم تقارير مفصلة قبل وبعد الاقتراع.
انتخابات 2025.. سباق لا يشبه ما قبله
تُجرى الانتخابات البرلمانية العراقية في 11 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وسط احتدام غير مسبوق في المنافسة بين أكثر من 7.900 مرشح موزعين على نحو 300 حزب وتحالف.
هذا العدد الهائل من المرشحين أثار المخاوف من تشتّت الأصوات، وتنامي تأثير المال السياسي على إرادة الناخبين، فيما تزايدت شكاوى المواطنين من شراء بطاقات انتخابية ومحاولات التأثير على الناخبين الفقراء بالسلال الغذائية أو المساعدات العينية.
في المقابل، شددت الأجهزة الأمنية حملاتها لملاحقة المتورطين في بيع البطاقات، بينما تحاول المفوضية طمأنة الشارع عبر التأكيد على الرقابة المالية والميدانية الصارمة.
الخطاب الانتخابي يتحول إلى معركة وجود
يرى مراقبون أن الخطاب الانتخابي العراقي يشهد تحولاً نحو الطابع الوجودي، إذ تسعى القوى السياسية إلى تصوير الانتخابات بوصفها "معركة فاصلة بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى".
وقال الناشط السياسي علي الحجيمي لـ"العربي الجديد"، إن “الدعم الخارجي لا يصل مباشرة للمرشحين بل إلى رؤساء الأحزاب الذين يوزعونه وفق مصالحهم”، مؤكداً أن المال السياسي بات اللاعب الأكبر في المشهد الانتخابي الحالي.
وأضاف الحجيمي أن “المفوضية يجب أن تحقق بجدية في مصادر التمويل لأن حجم الإنفاق يفوق الحملات السابقة”، مشيراً إلى أن “طرق الدعاية الحالية تدفع المواطنين أكثر نحو المقاطعة، لأن أغلب المرشحين يتنافسون على المناصب لا على خدمة العراقيين”.
إرهاق الشارع وتزايد الإحباط الشعبي
مع تزايد مشاهد التنافس الفوضوي، وعودة بعض الوجوه القديمة إلى الواجهة، فرضت الانتخابات المقبلة حالة من التشاؤم السياسي العام، إذ تحوّل الاستحقاق الديمقراطي إلى عملية مكررة ضمن نفس الدائرة السياسية التي يعاني منها العراق منذ عام 2003.
ويخشى المراقبون من أن يؤدي انخفاض نسبة المشاركة إلى إعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها، في ظل غياب البدائل المقنعة، واستمرار مقاطعة التيار الصدري وعدد من الحركات المدنية.
الخاتمة: المشاركة ضرورة لا خيار
ورغم كل الإحباطات، يرى محللون أن المقاطعة ليست حلاً، بل تُعدّ فرصة إضافية لبقاء الفاسدين في الحكم واستمرار تدوير النخب القديمة.
إن المشاركة الواسعة في الانتخابات المقبلة تمثّل الخيار الوحيد لإنقاذ البلاد من الجمود السياسي، ولفتح الطريق أمام التغيير السلمي عبر صناديق الاقتراع، لا عبر ترك المقاعد فارغة تُملأ بمن يملك المال والنفوذ.
إن وعي الناخبين، ورفضهم لبيع أصواتهم مقابل “سلة غذائية”، هو ما سيحدد مستقبل العراق السياسي، ويمنع استغلال معاناة الناس لتثبيت سلطات لم تعد تمثلهم.
المصدر: المطلع + وكالات
