بيروت ودمشق بمفترق طرق: هل تفتح أبواب التطبيع مع إسرائيل؟
في تحول لافت على مستوى الخطاب السياسي الإقليمي، أثار تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بشأن "اهتمام بلاده بضم سوريا ولبنان إلى دائرة السلام والتطبيع"، موجة من الترقب والجدل في العاصمتين دمشق وبيروت، حيث لا تزال العلاقات مع إسرائيل موضعًا حساسًا وتاريخيًا معقّدًا، وبينما لم تصدر تعليقات رسمية من الجانبين السوري واللبناني، يرى مراقبون أن هذا الطرح يعكس إعادة تشكيل محتملة في المشهد الجيوسياسي للمنطقة، في وقت تشهد فيه التحالفات التقليدية مراجعة غير مسبوقة.
وبحسب تقرير لصحيفة العرب وتابعته "المطلع"، فإنه:"في دمشق، أقرّت السلطة الانتقالية بحصول مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، تقول إن هدفها احتواء التصعيد، بعدما شنّت إسرائيل مئات الغارات على الترسانة العسكرية السورية وتوغلت قواتها في جنوب البلاد عقب إطاحة الحكم السابق.
ومنذ وصوله إلى الحكم، أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن:"بلاده لا ترغب في تصعيد أو صراع مع جيرانها". ودعا لاحقا المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل من أجل وقف هجماتها، متجنبا في تصريحاته استخدام مفردات وتعابير دأب سلفه بشار الأسد على استخدامها كوصفه إسرائيل بـ"الكيان الغاصب" أو "العدو الصهيوني".
وتقول رانيا الفواخيري وهي ربة منزل لوكالة فرانس برس ،الثلاثاء، بينما كانت في أحد مقاهي دمشق:"لا مشكلة في أن نجري مفاوضات سلام (مع اسرائيل)، لكن بما يحفظ كرامة سوريا".
وتضيف:"بالتأكيد لا نتحدث عن تطبيع كامل، بل تطبيع مشروط لا ينال من حقنا"، معربة عن، اعتقادها بأن سوريا التي خرجت من نزاع مدمر لا استعدادات أو إمكانيات لديها لتخوض حربا مع إسرائيل.
وتربط السلطة الجديدة هدف المفاوضات بالعودة إلى تطبيق اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974، لناحية وقف الأعمال القتالية وإشراف قوات من الأمم المتحدة على المنطقة العازلة الفاصلة بين الطرفين.
وفي المقهى ذاته، يقول المحامي عوض الحمد:"ما أعرفه هو أن المفاوضات الجارية.. تتعلق بإعادة تنظيم فصل القوات لعام 1974، لكن في ما يتعلّق بالسلام مع اسرائيل، وإن كان من اختصاص القيادة"، على حد تعبيره، لكن تحقيقه دونه شروط.
ويوضح:"أي سلام يؤدي إلى إعادة الحقوق السورية، الشعب السوري كله معه. نحن نريد أرضنا، لدينا أرض مغتصبة"، في إشارة إلى هضبة الجولان التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967، ثم ضمتها عام 1981، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي. ويشدد على أن الجولان، لن يكون إلا عربيا سوريا.
وخلال عقود، قدمت المناهج الدراسية في سوريا إسرائيل بوصفها "عدوا" و"كيانا مغتصبا"، مع عدم الاعتراف بشرعيتها كدولة. وعدّت الصراع مع إسرائيل صراعا وجوديا، بما يتخطى كونه نزاعا حدوديا واعتبرت أن تحرير الجولان "واجب قومي".
ولا تزال سوريا وإسرائيل رسميا في حالة حرب منذ العام 1948. لكنهما وقعتا اتفاقات هدنة ووقف إطلاق نار قبل عقود.
وشدّد وزير الخارجية الإسرائيلي الذي قال، الإثنين، إن بلاده:"مهتمة بضمّ لبنان وسوريا إلى الاتفاقات الابراهيمية"، في إشارة إلى اتفاقات أبرمت برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2020، وأقيمت بموجبها علاقات رسمية بين إسرائيل ودول عربية عدة، على أن هضبة الجولان ستبقى "جزءا لا يتجزأ" من إسرائيل في أي اتفاق سلام محتمل.
وطالبت سوريا مرارا خلال حكم عائلة الأسد في جولات تفاوض باستعادة هضبة الجولان كاملة في مقابل السلام مع إسرائيل.
وتأتي مساعي إسرائيل للتطبيع، بعدما أضعفت خصومها بهجمات عسكرية غير مسبوقة خصوصا حزب الله اللبناني وإيران، عدا عن تغير الحكم في سوريا.
وتضغط الولايات المتحدة، حليفة إسرائيل، بدورها من أجل السلام. وقال المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك ،الأحد، إن:"السلام مع إسرائيل ضروري لسوريا ولبنان".
ونقل عن الشرع قوله إنه:"لا يكره إسرائيل ويريد السلام عند الحدود معها".
وطلب الدبلوماسي الأميركي من المسؤولين اللبنانيين التزاما رسميا بنزع سلاح حزب الله المعارض بشدّة لاتفاقات التطبيع مع إسرائيل.
ورغم سريان وقف لإطلاق النار، تواصل إسرائيل شن ضربات على لبنان وتؤكد أنها، لن تسمح للحزب بإعادة بناء قدراته بعد الحرب التي تكبّد فيها خسائر كبيرة على صعيد بنيته العسكرية والقيادية.
ويتعهد المسؤولون اللبنانيون حصر السلاح في يد الدولة، ويطالبون إسرائيل بالانسحاب من خمسة مرتفعات إستراتيجية تقدمت إليها خلال الحرب، ولم تنسحب منها بعد وقف إطلاق النار.
وأثارت الحرب التي خاضها حزب الله ضد إسرائيل انتقادات واسعة في لبنان، بعدما أدت إلى مقتل أكثر من أربعة آلاف شخص وألحقت دمارا واسعا بأجزاء من البلاد، وعمّقت من الأزمة الاقتصادية.
وفي شارع الحمرا في بيروت، يقول نعيم قصير (71 عاما) لفرانس برس إن:"سلامة لبنان هي الأهم، وإذا كانت لا تتحقق إلا بالتطبيع.. يمكن إبرام معاهدة سلام حتى نعيد بناء بلدنا".
ويعرب عن اعتقاده بأن التطبيع "يُبرم بين الحكومات، ولا يسري على الشعوب".
وعلى بعد عشرات الأمتار، في شارع الحمرا أيضا، يقول سائق سيارة الأجرة أحمد شمص (46 عاما) لفرانس برس، لو طبّع العالم كله مع إسرائيل.. فنحن أصحاب الأرض في الجنوب والبقاع والضاحية لن نطبع معهى.
