بين دعم إيران وانتقادات إسرائيل... الإعلام المصري في مرمى النيران
احتفظت وسائل الإعلام المصرية بموقف مناوئ لإسرائيل خلال الحرب الأخيرة مع إيران، مستمرة في ذلك رغم محاولات الحكومة المصرية تبني موقف أكثر اعتدالاً، ما أثار استياء إسرائيل وحلفائها، لا سيما في بعض وسائل الإعلام الأمريكية.
وسلّط تقرير لموقع ناشيونال إنترست الأميركي وتابعته "المطلع"، الضوء على التغطية الإعلامية المصرية خلال حرب الـ12 يوما بين إيران وإسرائيل، واتخذ نفسا انتقاديا يشير إلى انزعاج الدوائر الغربية من الخطاب الإعلامي، والمفارقة أنه يحمّل النظام المصري مسؤوليته رغم أن وسائل الإعلام من المفترض أن تتمتع بالحرية والاستقلالية.
ونشرت سلسلة مطاعم مصرية شهيرة على مواقع التواصل صورة ترويجية للكشري، الطبق الوطني للبلاد، على شكل صاروخ، هذا الطبق الشهي، المصنوع من الأرز والمعكرونة والعدس والحمص وصلصة الطماطم، والصورة التي يبدو أنها مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، بدأ تداولها في اليوم السادس من عملية “الأسد الصاعد ” الإسرائيلية، وفُسّر على نطاق واسع على أنها إشارة دعم لإيران.
واحتفت وسائل الإعلام التابعة للدولة في طهران بالأمر، حتى أنها زعمت أن إسرائيل هددت المطعم بعد أن بدأ بتقديم وجبات مُستوحاة من الصواريخ الإيرانية.
وفي مصر نفسها، لم يُثر الطبق الصاروخي انتقادات تُذكر، بل إنه اندرج بسهولة ضمن الرواية السائدة في الإعلام المصري، والتي تُصوّر إيران كبطل المقاومة الجديد في المنطقة، وإسرائيل كقوة ضعيفة ومتفككة.
ومع ذلك، بعد أن بدأت الصورة تُثير انتقادات في إسرائيل، التي تربطها معاهدة سلام مع مصر منذ أكثر من أربعة عقود، قام المطعم بحذفها بهدوء وأصدر بيانًا يزعم أن الإعلان لا علاقة له “بالسياسة”.
ويُعدّ المطعم وجهةً مُعتادةً لكبار الشخصيات الأجنبية، ويبدو أنه على صلة وثيقة بالمؤسسة السياسية، ما يُثير احتمال أن تكون الإزالة قد جاءت بناءً على طلب الحكومة.
ووجّه الموقع الأميركي انتقادات لمصر، معتبرا أنه في مصر اليوم، يُمكن لشخص ما أن يُهلل لتدمير تل أبيب على التلفزيون الوطني، لكن صورة صاروخ كشري مُولّد بالذكاء الاصطناعي قد تُخالف النص الرسمي تمامًا، رغم أن هذه الانتقادات لا تستند إلى دليل.
وزعم الموقع أن هذه الحادثة تسلط الضوء على تناقضٍ بين المصالح الجيوسياسية للحكومة والروايات الشعبوية التي تتسامح معها في الداخل.
وما يبدو للوهلة الأولى حيلة تسويقية سخيفة، إنما يعكس ثغرة صغيرة في التوازن السياسي الدقيق الذي بنته الأنظمة المصرية، فعلى مدى عقود، استعارت القاهرة الخطاب الشعبوي للرئيس جمال عبدالناصر الذي صوّر مصر قائدةً للمقاومة العربية لإسرائيل، مع الحفاظ على نهج بناء السلام البراغماتي للرئيس أنور السادات، الذي وقّع معاهدة السلام التاريخية بين مصر وإسرائيل عام 1979، والنتيجة نظامٌ ينتقد إسرائيل علنًا، حتى مع الحفاظ على التنسيق الإستراتيجي خلف الأبواب المغلقة.
وكان هذا النهج المزدوج يُساعد النظام في السابق على إرضاء المشاعر الشعبية دون المساس بمعاهدة السلام مع إسرائيل أو بمكانته لدى شركائه الغربيين، لكن الرسائل المعادية لإسرائيل المحيطة بعملية “الأسد الصاعد”، وحماس الشعب المصري لها، أثارا استياء إسرائيل.
وقال الموقع الأميركي إنه سرعان ما حوّلت وسائل الإعلام المصرية الخاضعة لسيطرة الدولة – والتي تُمثّل جميع وسائل الإعلام تقريبًا في البلاد – الضربات الإسرائيلية المُوجّهة ضد البنية التحتية العسكرية الإيرانية إلى حملة دعائية محلية، فعلى قناة صدى البلد، وهي شبكة مُقرّبة من الدولة المصرية، ركّز المُقدّم أحمد موسى وضيوفه على ما زعموا أنه ضعف في الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
وقال طارق فهمي، الخبير في دراسات الأمن القومي، في 15 يونيو “الجزء المهم هنا هو أنه إذا استمر هذا السيناريو، مع هذه الصور، فلن تصمد إسرائيل في حرب لمدة أسبوع أو عشرة أيام.” وأضاف “إسرائيل لا تمتلك العمق الإستراتيجي اللازم لإيران.”
وأعلن الضيف عبدالمنعم سعيد، وهو معلق بارز مقرب من السلطات، أن إيران ألحقت “صدمة وكارثة” بإسرائيل، وأضاف أن طهران “مستعدة”.
وتكررت رواية مماثلة في برنامج ” الحكاية”، الذي يقدمه الإعلامي المصري المخضرم والمؤيد لحكومة السيسي، عمرو أديب.
وأكد أديب في 13 يونيو “بدأ الانتقام الإيراني، ليلة مؤلمة، ملتهبة، ومقلقة لجميع سكان إسرائيل، كل من شكك في حدوث انتقام إيراني، أصبح الانتقام الإيراني الآن على الهواء مباشرة".
وفي الوقت نفسه، ركزت صحيفة الأهرام، الصحيفة الرسمية الرائدة في مصر، بشكل كبير على النجاحات الإيرانية بينما تجاهلت تقريبا الضربات الإسرائيلية المباشرة على أهداف الحرس الثوري الإيراني.
