مأزق القطار العلماني العراقي
الكاتب: علي وجيه
علي وجيه
ما الذي يمنع، بشكلٍ جوهريّ، وجود تيّار علمانيّ عراقيّ فعليّ يُمكن أن يكونَ البديل السياسيّ الحقيقيّ لقوى الإسلام السياسيّ، أو القوى التي تمتلك ذات المحركات الداخلية تحت مسمّيات أخرى، الأحزاب القوميّة الكرديّة مثلاً، أو الأحزاب القوميّة – الإسلاميّة السنّية، أو التنوّع الإسلامي الكبير في الساحة الشيعية؟
هل من الممكن الحديث عن وجود تيّار علمانيّ فعليّ، علميّ، بشكل العلمانية المبسّط وهو وضع الدين في فضائه الخاص، وإدارة الدولة بشكلٍ لا يشبه الطريقة التي أدارت الأحزاب المختلفة دفّة الدولة بعد ٢٠٠٣؟
تأخر نشوء حركة علمانية فعليّة عراقيّة تشكّل ظاهرة ملموسة حتى ٢٠١١، وظلّت متلازمة بشكلٍ جذريّ مع الاحتجاجات، رغم أن الاحتجاجات المتعددة (٢٠١١، ٢٠١٥، ٢٠١٨، ٢٠١٩) والمتفرّقة كان فيها جماهير متنوّعة، بل وبعضها كان يتشكّل من جمهور إسلاميّ، أو مسلم بالأقل، بشعارات وعلامات دينية.
القطيعة المعرفية بين التيّارات العلمانية وإرثها في العراق، ثمّ صعود تيّارات الإسلام السياسيّ، في بلد تشكّل محرّكاته المركزية مرجعيات وأحزاب دينية، أخّر كثيراً هذا التيّار، لكن الأكثر تأخيراً لتبلوره وتشكيله كتلة صلبة، هو عدم وجود نقطة يتفق عليها ركّاب القطار، الذين يتناثرون في جهات مختلفة، وغالباً لا يحتاج الإسلاميّ إلى مهاجمتهم، فهم سيتولّون تفكيك أنفسهم، وتشرذمهم.
بعد ٢٠٠٣، لم تمر فترة أوشكَ فيها العلمانيون على تنظيم أنفسهم، والدخول كتلةً كبيرة في السياسة العراقية مثل احتجاجات تشرين ٢٠١٩، حيث استثمر منظّرو ومحتجّو وكتّاب الحركة الغضب العام، والشيعيّ خصوصاً، لدى جماهير كل الأحزاب، لإشاعة هذه الفكرة، لكن فكرة مقاطعة الانتخابات من جهة، والتفكيك الداخلي الذي ضرب الأحزاب الناشئة، المُقاطِعة منها والمشتركة بالانتخابات، والتفكيك الذي ضرب تنسيقيات التظاهرات والخلافات الشخصية، أودى بأن يكون الجميع متفقين على نقطة واحدة، فضلاً عن عدم اتفاقهم بتعدد الأدوار.
أشاهد صور مؤتمر للاحتجاج بأحزابه المنبثقة وباشتراك عدد كبير من المحافظات، وهذا التجمّع الذي خرج ببيان واحد، كان من الممكن أن يستثمر اجتماعهم في تشرين، والعمل بشكل جدّي دون تأثير الأحزاب الكلاسيكية من جهة، والمناصب التنفيذية في الدولة من جهة أخرى.
لا يجتمع العلمانيون حتى يتفكّكوا، لم ينتجوا كاركتر القائد الذي يتحلّقون حوله كما يتحلّق الإسلاميون حول قادتهم، أو الجماهير القومية، كلّ فرد فيهم هو قائد، يتصرف كذلك، ووجهة نظره الوحيدة هي الصحيحة، ويكتبُ بهذه الطريقة المئات منهم، دون التنازل سنتمترا واحداً لأجل مصلحة القطار، الذي طال وصوله.
اللامركزية العلمانية، الفردانية المبالَغ بها، قد تكون نافعة فردياً، في أن يحترم المرء ذاته واستقلاله بإنتاج فكرته، لكنها مقتل تلك الحركات جمعياً، في بلد تحتاج حشد جماهير فيه، ويواجهك خصومٌ بسلاح، وإعلام وغير ذلك.
سيطول انتظار القطار طويلاً، لأسباب سلبيّة من داخل المعسكر وخارجه من خصومه، أمّا انتظار الصدف، والغضب الجماهيري، الذي يشترك فيه العراقيون جميعاً علمانيين وغير علمانيين، فهذا الأمر لن يشكّل تراكما، ويبقى انتظار تبلور هذا التيار ووصول القطار شبيهاً بانتظار غودو الذي لن يأتي.
ستبقى، على ما يبدو، الساحة العراقية المُهدّمة، وهي تقدّم البديل السلطوي الإسلامي على القرار السلطوي الإسلامي، بتمظهر جديد في كل مرة، بينما سيبقى العلمانيون فرساناً في الكتابة الغاضبة التي ربما لن تثمر الكثير إلاّ بعدد الإعجابات وزيادة الغضب الشعبي، لكنها لن تنتج مشروعاً مهدّداً فعلياً لأحزاب السلطة الكلاسيكية المعروفة.
