خلوّ الساحتين من احتجاجِ الساعتين
الكاتب: علي وجيه
علي وجيه
بعد انتهاء تشرين الظافرة، أضخم وأهمّ احتجاج شعبيّ في تأريخ الدولة العراقية الحديثة، هل بالإمكان الحديث عن إفراغ الاحتجاج من محتواه، وأن التظاهرات كوسيلة انتهى مفعولها؟
أعترف لكم، بأن الفكرة بحدّ ذاتها مؤلمة، خصوصاً للعبد الفقير لله، الذي عاصر وكان جزءاً من احتجاجات بغداد، منذ ٢٠١١، حيثُ شاركتُ بها، وكتبتُ فيها الكثير، لكنّ ما حدث في ذكرى تشرين لهذا العام، وما تلاه من انشقاق بين المحتجين، بين ساحتيْ التحرير والنسور، ورشق الاتهامات بين الطرفين، وغير ذلك من ظواهر مؤسفة بدأت بعد رفع الخيم، وصولاً إلى اليوم، هو أمرٌ مؤسف، جعل تلك اللحظة التي أنعشت القلب العراقي، وأعادت الثقة بتيّار وطنيّ محلّي شبابيّ، جعله لحظة مزعجة، لا للسلطة بل لجمهور الاحتجاج أنفسهم.
تحوّل الاحتجاج من وسيلة إلى غاية، وهذا كان أوّل مقاتل الاحتجاج، وبصراحة لعبت أحزاب السلطة بذكاء بالغ تلك اللعبة، من تفكيك هذا الجمهور، وسلبه الرمزية الوطنية، لكن المحتجين وبسبب عدم وجود قيادة محددة، تعملُ بالمساحة السياسية، ظلّت أهواؤهم مختلفة، وإن سألتَ ١٠٠ متظاهر عن سبب خروجهم في هذا الاحتجاج لسمعتَ ١٠٠ سبب ربّما، وبكل الأحوال الأمر ليس مثلبة للاحتجاج بحدّ ذاته، وإنما كان سبباً بإفراغ الاحتجاج من محتواه، خصوصاً من ظاهرة محاولة "مطّ" لحظة تشرين لتمتدّ على سنوات كثيرة تلت ذلك الحدث العظيم، الذي حدث بشكل فاجأ الجميع، وكان لحظة نشوة وطنيّة مخلوطة بكثير من الألم والدماء والتعب.
الآن، تستعدّ قوى محتجة، وبعض الأحزاب المنبثقة من الاحتجاج للنزول يوم ١٥ من تشرين الجاري، بعمل سياسيّ، ووقفةٍ أو تظاهرة، في ذكرى التصويت على الدستور العراقي عام ٢٠٠٥، وهذا يومٌ إضافيّ في هذا الشهر، قبل يوم ٢٥ تشرين الذي يشكّل ذكرى كبيرة، وهي الانطلاق الفعلي لاحتجاج ٢٠١٩، وتحوّله لاعتصام مفتوح.
كل هذه الاحتجاجات، التي لا أخدشُ بوطنيتها وصدقها، وتكرارها، وكثرتها، مع عدم وجود مُخرجات واضحة لهذا، أو سريعة تلائم قلّة الصبر العراقية، أو الحرب الإعلامية المفتوحة عليهم، إنما تؤجّل ظاهرة الاحتجاج بشكلها الكبير، والذي يشكّل بالفعل ضغطاً على السلطة، الحكومات حالياً لا تقلقُ جداً من الاحتجاجات، فهي منقسمة أصلاً، تكتفي بغلق الجسور وإنزال عدد كبير من العناصر الأمنية، والتشديد بعدم استخدام الرصاص الحي، لينتهي احتجاجُ الساحتين الممتد على ساعتين، ويعودُ كثيرون الى منازلهم.
أخطر ما يحدث بظاهرة تكرار الاحتجاج، هو إمكانية أن يتحوّل الاحتجاج بأيّ لحظة من منطقته السلمية الى منطقة حمل السلاح، بسبب التكرار الفج لعدم وجود ثمار من الاحتجاج السلمي، وظهرت أصوات دعت المتظاهرين حتى في تشرين الى حمل السلاح، لكنهم تمسكوا بسلميتهم العجيبة التي التفت لها العالم وإعلامه، رغم سقوط الضحايا، بل "تنومسوا" بهذه السلمية، لكن تعودنا من كل احتجاج أن يفرز وجوه المحتجين السابقين عنه، وإن استمر هذا التجاهل السلطوي من جهة، والتظاهرات الصغيرة غير المؤثرة، غير المسموعة، فإن ذلك سيؤدي لغياب التظاهر بأنساقه هذه، وانطلاق ما يمكن اعتباره "خطراً"، خصوصاً مع "الاستثمار" السياسي الداخلي في الاحتجاج من أحزاب السلطة نفسها، التي ما تركت مندسّاً ولا تهمة ولا ورقة ضغط ما مارستها من داخل الساحات.
تحوّل التظاهر من وسيلة، تنتهي بضغط ثم تفاوض، إلى حركة شبه راديكاليّة، غير واقعية في مفاصل عديدة، وترفض الحوار والضغط والنقاش، مع وجود أحزاب منبثقة لم تتخلّ عن أنساق أحزاب السلطة بالتعامل مع كوادرها وجماهيرها، وانتهت تلك اللحظات العجيبة المنعشة إلى كلام كثير، ومنشورات أكثر، ليس لها أثر على الأرض، وأثرها الفعليّ لا يتعدّى الساعتين في كلّ تظاهرة.
