الدفع الإلكتروني في العراق يتوسع... والحكومة تلاحق الكتلة النقدية الهاربة
في خطوة تعكس توجهًا وطنيًا نحو بناء اقتصاد أكثر تنظيمًا واستقرارًا، تتجه الحكومة العراقية إلى توسيع اعتماد أنظمة الدفع الإلكتروني ضمن خطة استراتيجية تهدف إلى مواجهة التحديات المالية المتراكمة، وضبط الكتلة النقدية الهائلة المتداولة خارج النظام المصرفي، وتحفيز الإيداعات البنكية، وتندرج هذه المبادرة ضمن رؤية شاملة لإعادة هيكلة الدورة المالية وتمكين الدولة من إدارة الاقتصاد بكفاءة أعلى، في ظل ضغوط متزايدة على السيولة النقدية.
وجاء في تقرير لموقع "العربي الجديد" وتابعته "المطلع"، أن د:"بيانات البنك المركزي العراقي تُظهر أن نحو 87% من الكتلة النقدية، أي ما يعادل 95 تريليون دينار من أصل 109 تريليونات، لا تزال محفوظة خارج النظام المصرفي، ما يُضعف فاعلية السياسات النقدية ويعوق قدرة الدولة على مكافحة التضخم وتنشيط الاستثمار".
وتمثّل هذه الخطوات إعلانًا واضحًا عن توجه البنك المركزي لدمج المزيد من السيولة في النظام المصرفي، بما يعزز قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد بشكل أكثر كفاءة، ومواجهة التحديات المالية المتراكمة.
و من جهته، أكد المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، التزام الحكومة بالتحول الرقمي في جميع المعاملات المالية، بوصفه ضرورة ملحّة وليس مجرد تحديث تقني.
وقال صالح لـ"العربي الجديد"، إن:"التوسع في الدفع الإلكتروني أصبح ضرورة حتمية لمواجهة تحديات السيولة"، مشيرًا إلى أن:"الأموال المتداولة خارج النظام المصرفي تشكّل عبئًا كبيرًا على الاقتصاد الوطني".
وأضاف أن:"التحول نحو الدفع الإلكتروني يُسهم في إدخال السيولة إلى القنوات الرسمية، ويمنح الدولة أدوات فاعلة لرصد حركة الأموال، وتوفير بيئة مالية أكثر شفافية وأمانًا للمواطنين والمستثمرين".
وأشار صالح إلى أن، العراق باحتلاله المرتبة الثالثة عربيًا في عدد البطاقات المصرفية المصدرة، يبرهن على تطور قطاعه المالي وزيادة الثقة بالإجراءات الحكومية. لكنه لفت أيضًا إلى:"وجود تحديات مثل ضعف الثقة في البنوك، البيروقراطية، والخوف من الرقابة، وهي عوامل تعمل الحكومة على معالجتها من خلال تطوير البنية التحتية وتقديم حوافز مشجعة للمواطنين".
ويؤكد الباحث الاقتصادي أحمد صباح، أن:"الضغوط المتزايدة على السيولة تدفع العراق نحو تسريع تبني أنظمة الدفع الإلكتروني، بوصفها أداة فعالة لإعادة الأموال إلى النظام المصرفي الرسمي".
وقال صباح لـ"العربي الجديد"، إن خفض الاعتماد على النقد الورقي يُعزز قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية بفعالية، ويُسهم في مكافحة التضخم والفساد وغسل الأموال.
ولفت إلى أن:"من أبرز أسباب العزوف عن الإيداعات المصرفية: ضعف الثقة بالقطاع المصرفي، وتعقيد الإجراءات، والمخاوف من الرقابة الحكومية"، مؤكدًا أن:"هذه الأسباب تُبقي كميات هائلة من السيولة خارج السيطرة الرسمية، ما يُعيق نمو الاقتصاد".
واقترح صباح حزمة من الإجراءات تشمل: ضمان الودائع، تبسيط الإجراءات المصرفية، تعزيز الثقافة المالية، وتوفير حوافز مشجعة، بالإضافة إلى تحديث البنية التشريعية والرقمية، من أجل بناء ثقة مجتمعية طويلة الأمد. واختتم تصريحه بالتأكيد أن التحول نحو الاقتصاد الرقمي أصبح مسارًا عالميًا لا يمكن للعراق تجاهله، ويتطلب إرادة سياسية حقيقية وتعاونًا مؤسسيًا واسعًا لكسب ثقة المواطن وتحقيق الاستقرار المالي.
ولا يقتصر هذا التوجه على تحديث الأدوات المالية، بل يُجسّد رؤية حكومية شاملة للانتقال إلى اقتصاد منظم وشفاف، يُقلّص الاعتماد على النقد الورقي، ويعزز فرص التنمية والاستقرار المالي.
وتُعد "استراتيجية الشمول المالي 2025–2029" التي أطلقها البنك المركزي، خريطة طريق لهذا التحول النقدي واسع النطاق.
وفي خطوة محورية تعكس تصميم الحكومة العراقية على تعزيز الشفافية وضبط السيولة، أعلن البنك المركزي العراقي في 25 أيار/مايو 2025 عن إطلاق "الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي للفترة من 2025 إلى 2029".
وأكد البنك في بيان رسمي أن:"الاستراتيجية توفر إطارًا متكاملًا لتمكين الأفراد والشركات من الوصول إلى الخدمات المالية المناسبة والآمنة، مع ضمان حقوقهم، بما يساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية".
وشدد محافظ البنك المركزي، علي محسن العلاق، على الأهمية الكبيرة لتعزيز الشمول المالي في العراق، داعيًا إلى:"توسيع التعاون على المستويات الإقليمية والعربية والدولية" لتحقيق هذا الهدف.
وأوضح العلاق أن:"الاستراتيجية تتضمن مجموعة من الأهداف الطموحة، في مقدمتها زيادة نسبة الحسابات المصرفية بين المواطنين، وتوسيع استخدام أدوات الدفع الإلكتروني، إلى جانب تطوير البنية التحتية واللوائح التنظيمية الخاصة بالشمول المالي، وتعزيز حماية المستهلك".
كلمات مفتاحية
- العراق
- اقتصاد العراق
- الدفع الإلكتروني في العراق
- البنك المركزي العراقي
- الحكومة العراقية
- تقارير عربية ودولية
