بين السلام مع "العمال الكردستاني" والتصعيد العسكري: تناقض تركي شمال العراق
بالتوازي مع استمرار القوات التركية في تنفيذ عملياتها العسكرية والاستخباراتية ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني في مواقع تمركزهم شمال العراق، يسير ملف السلام بين تركيا والحزب بوتيرة متزامنة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل وجود تلك القوات على الأراضي العراقية بعد إتمام العملية السلمية.
وجاء في تقرير لـ"صحيفة العرب" وتابعته "المطلع" أنه:"شهدت الأيام الأخيرة تصعيدا ملحوظا من قبل الجيش التركي لعملياته في محافظة دهوك، التي يتخذ حزب العمال من بعض مناطقها ذات التضاريس الوعرة مواقع ومخابئ لمقاتليه وذلك بعد أقل من شهر على إقدام الحزب الذي أعلن في وقت سابق عن حلّ نفسه، على خطوة رمزية دالة على حسن نواياه بشأن السلام تمثلت في قيام عدد من مقاتليه بتسليم أسلحتهم وتدميرها على مرأى من الملأ في موقع بقضاء دوكان شمالي محافظة السليمانية".
ولم يسجّل منذ ذلك الحين أي نشاط عسكري هجومي من قبل مقاتلي الحزب ضدّ القوات التركية فيما رصدت مصادر محلية تحركات لهؤلاء المقاتلين تتعلق على ما يبدو بإخلاء مواقع واستعدادات للتكيف مع مقتضيات العملية السلمية التي بدأت.
وبحسب التقرير، يقول متابعون للملف إنّ التحرّكات العسكرية التركية الحالية أمر اعتيادي في نطاق مواصلة الضغوط حتى تحقيق السلام بشكل كامل والتأكّد من عدم انتكاسه، دون أن ينهي ذلك قلق أوساط عراقية وشكوكها في النوايا التركية التي يقول البعض إنّها تتجاوز مجرّد إنهاء الصراع وحسمه ضد الحزب المسلّح، إلى أهداف وطموحات أخرى تعمل أنقرة على تحقيقها في العراق، وقد تقتضي الحفاظ على وجود عسكري دائم على أراضيه.
وتحتاج أنقرة في ضوء ذلك إلى وجود عسكري لتأمين مصالحها وحماية نفوذها، ويمكنها التذرّع في الإبقاء على قواعدها ونقاط تمركز قواتها على الأراضي العراقية بتأمين السلام الذي قد يتحقّق، وضمان عدم عودة مقاتلي الحزب لاستخدام تلك الأراضي منطلقا للتمرّد عليها.
وتابع التقرير، بالإضافة إلى حماية النفوذ، تحتاج تركيا إلى وجودها العسكري في العراق لتراقب عن كثب تجربة الحكم الذاتي لإقليم كردستان العراق ومنع تدرجها باتجاه دولة مستقلة كان أكراد البلد قد عبّروا بوضوح عن طموحهم لإنشائها من خلال استفتاء على الاستقلال أجروه سنة 2017، وتعاونت أنقرة ذاتها مع كل من بغداد وطهران على إحباط تنفيذ مخرجاته على أرض الواقع.
وتطبق تركيا في الوقت الحالي سيناريو مشابها في سوريا حيث أرسلت قواتها إلى بعض مناطقها لمراقبة الأكراد المدعومين من قبل الولايات المتحدة وقمع أي خطوة استقلالية لهم عن الدولة السورية ولو في حدود حكم ذاتي في نطاق الدولة نفسها.
وخلال الأيام الماضية سجلت مصادر متعدّدة عودة ملحوظة للعمل العسكري التركي في مواقع تواجد عناصر حزب العمال الكردستاني بشمال العراق.
وقالت منظمة صناع السلام الأميركية، فرع كردستان العراق، إنّ الجيش التركي أطلق منذ نهاية شهر يوليو الماضي عملية عسكرية برية باستخدام قوّة قوامها مئتان وخمسون جنديا في قرى منطقة كوليب في قضاء باتيفا من محافظة دهوك.
وذكر العضو في المنظمة كامران عثمان أنّه جرى نشر الجنود بواسطة طائرات هليكوبتر على جبل سيارا ستوري حيث قامت تلك القوّة العسكرية بتأسيس قاعدة استخدمتها لاحقا منطلقا لتطويق القرية بأكملها ومنع الأهالي من مغادرتها.
وأضاف أنّ الجنود الأتراك تحركوا من قرية كاشان إلى قرية بانكي وعبروا نقطة تفتيش تابعة لقوات حرس الحدود العراقية ثم واصلوا دوريتهم في قرى شلين وشيلاني وبانكي وليفاني وأفلهي وبيربلا.
وسبق تلك الحملة قيام الجيش التركي بإغلاق جميع الطرق في قرية كاشاني وحقولها ومزارعها المحيطة ووجه تحذيرا للقرويين بعدم مغادرة منازلهم.
وأوضحت المنظمة أن الهدف من العملية العسكرية التركية منع القرويين من العودة إلى قراهم تمهيدا لتنفيذ مشروع إنشاء منطقة أمنية عازلة في القرى التي تقع ضمن حدود إدارة زاخو.
وأثار التحرك العسكري التركي الذي يأتي على طرف نقيض من جهود التهدئة ومسار السلام انتقادات للجانب التركي كما للجانب العراقي بالتساهل مع أنقرة وعدم الحرص في دفعها لسحب قواتها وإزالة قواعدها من الأراضي العراقية.
وقال المحلل السياسي عباس الجبوري إنّ التهديدات التركية تجاوزت حدودها وإنّ وجود أكثر من اثنتين وعشرين قاعدة تركية وآلاف الجنود على أراضي العراق وقيام تلك القوات بعمليات تهجير للسكان وهدم لأكثر من خمسين قرية في دهوك، تمثل جميعها خروقا صارخة للسيادة العراقية وخطرا على أمن العراق والمنطقة.
وأضاف متحدثا لوسائل إعلام محلية، أن العملية العسكرية الأخيرة في دهوك تتعارض صراحة مع دعوة السوداني إلى خروج القوات التركية، معتبرا أن “أنقرة لا تزال تتمسك بحلمها العثماني في التوسع داخل الأراضي العراقية.”
ومن جانبه قال الصحافي حسن نبيل لمصدر سياسي كردي، إن خطوة حل حزب العمال الكردستاني تفرض على بغداد اتخاذ موقف واضح تجاه مبادرة السلام، حاثّا الحكومة العراقية على إبرام اتفاق ملزم مع تركيا لسحب قواتها من العراق.
