انتقادات لنظام الكوتا الانتخابي: تمثيل الأقليات بين القانون والهيمنة الحزبية
انتقدت الأقليات العراقية ما وصفته بـ"عدم إنصافها" في نظام الكوتا الانتخابي المعتمد في العراق، معتبرة أنه لم يعد يضمن تمثيلاً حقيقيًا للمكونات الصغيرة داخل البرلمان، بل تحول إلى أداة بيد الكتل السياسية الكبرى التي تسيطر على مقاعدها عبر نفوذها الانتخابي.
ويمنح نظام الكوتا الحالي تسعة مقاعد برلمانية فقط للأقليات من أصل 329 مقعدًا، خُصص منها خمسة للمسيحيين، ومقعد واحد لكل من الشبك، والأيزيديين، والفيليين، والصابئة المندائيين. إلا أن ممثلي هذه المكونات يرون أن هذا التوزيع أصبح شكليًا بسبب تدخل القوى السياسية الكبرى في تحديد المرشحين والفائزين.
التركمان: "التمثيل الحقيقي للأقليات مفقود"
قال عضو الجبهة التركمانية العراقية، آيدن معروف، في تصريح صحافي، إن نظام الكوتا "لم ينجح، ويجري التدخل فيه بشكل واضح"، مؤكدًا أن بعض الأطراف السياسية "تفرض وصايتها على المكونات وتسلبها حقها في التمثيل النيابي المستقل".
وأضاف معروف أن المكونات العراقية "لا توافق على أن تكون دائرة انتخابية واحدة، أو أن تُخصص صناديق عامة يصوت فيها الجميع"، مشيرًا إلى أن "هذا النظام يفتح الباب أمام سيطرة الكتل الكبرى على أصوات الأقليات".
كما انتقد معروف غياب أي ممثل تركماني عن مجلس الوزراء العراقي، واصفًا ذلك بأنه "إجحاف سياسي يعكس تهميش المكونات الصغيرة".
تحذيرات كنسية من "اختطاف الصوت المسيحي"
من جانبه، حذر بطريرك الكلدان في العراق والعالم، الكاردينال لويس ساكو، من خطورة تمثيل المسيحيين عبر ما وصفها بـ"جهات فاسدة ومسلحة"، قائلاً:
"لن نقبل أن يكون المكون المسيحي وقوداً لصراعات داخلية أو وسيلة لتحقيق مصالح سياسية."
وطالب ساكو بحصر التصويت على المقاعد المسيحية داخل المكون نفسه، على غرار الكلدان والآشوريين والسريان، لضمان تمثيل حقيقي ومستقل.
ويشير قانون الانتخابات العراقي إلى أن للمكونات دائرة انتخابية واحدة على مستوى البلاد، ما يعني أن أي ناخب، بغضّ النظر عن انتمائه، يمكنه التصويت لمرشح كوتا، وهو ما تراه الأقليات "ثغرة تُستخدم ضدها".
دعوات لإصلاح قانون الكوتا
الناشط المسيحي أكرم يوسف دعا إلى إصلاح جذري لنظام الكوتا، مشيرًا إلى أن الدورات البرلمانية السابقة "حرمت المكونات من حقها في التمثيل الحقيقي".
وقال يوسف في تصريح لـ"العربي الجديد"، وتابعته المطلع: "استمرار العمل بالنظام الحالي يجعل الأقليات رهينة لأجندات الأحزاب الكبرى، ويُفرغ مبدأ التعددية من محتواه الدستوري."
وأكد أن إصلاح قانون الانتخابات يجب أن يضمن استقلالية المكونات الصغيرة ويمنع الأحزاب من استغلال أصواتها عبر التحالفات الانتخابية.
خبراء: النظام القانوني غير محكم ويفتقر للرقابة
بدوره، أوضح الأكاديمي المتخصص في الشأن الانتخابي العراقي جمال الربيعي، أن "نظام الكوتا بصيغته الحالية غير منصف"، مبينًا أن الإطار القانوني الذي ينظمه "فضفاض ويسمح بتلاعب سياسي".
وقال الربيعي لـ"العربي الجديد"، وتابع: "القانون يتيح لأي ناخب التصويت لمرشح الكوتا، ما يمكّن الأحزاب الكبرى من حشد أنصارها لدعم مرشحين موالين لها، كما حصل في دورات سابقة."
وأضاف أن القانون: "لا يُلزم مفوضية الانتخابات بالتحقق من انتماء المرشح فعليًا إلى المكون الذي يمثله"، مشددًا على أن غياب هيئة وطنية مستقلة للأقليات جعل تمثيلها "رمزيًا وغير فعلي"، في حين تدير أحزاب كبرى أغلب مقاعد الكوتا عبر وكلاء أو مرشحين تابعين لها.
انتخابات بلا أمل... ومقاطعة تتسع
تأتي هذه الانتقادات في وقت تتصاعد فيه حالة الإحباط الشعبي من الانتخابات المقررة في 11 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، إذ يرى كثير من العراقيين أن العملية الانتخابية تحولت إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج الطبقة السياسية ذاتها منذ عام 2003.
ومع اتساع رقعة المقاطعين، سواء بدوافع سياسية أو احتجاجية، يبقى التيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر الطرف الأبرز الذي أعلن مقاطعة الانتخابات رسميًا، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى شرعية التمثيل النيابي المقبل وقدرته على تمثيل المجتمع العراقي بكل مكوناته.
نحو انتخابات تعيد الثقة لا الوجوه ذاتها
تأتي الانتقادات الموجهة إلى نظام الكوتا ضمن مناخ انتخابي معقد يشهده العراق قبيل انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2025، التي وُصفت بأنها الأكثر تنافسية والأكثر تشككًا في الوقت نفسه.
فبينما تجاوز عدد المرشحين حاجز السبعة آلاف وتسعمائة مرشح موزعين على أكثر من ثلاثمائة كتلة سياسية، لا تزال المخاوف قائمة من تكرار التجربة نفسها التي أبقت الفاسدين في مواقعهم بسبب ضعف الإقبال الشعبي والمقاطعة الواسعة.
وتشير التحليلات إلى أن عزوف الناخبين عن المشاركة قد يفتح الطريق أمام القوى التقليدية لإعادة إنتاج سلطتها، في ظل تراجع تأثير الدعاية الطائفية وصعود الخطاب الوطني والإصلاحي بين المرشحين الجدد. ومع ذلك، تبقى إرادة الناخب الصامت هي العامل الحاسم، إذ يمكن لصوته أن يُحدث فارقًا في رسم شكل البرلمان المقبل ويمنح فرصة حقيقية لظهور وجوه جديدة تحمل مشروعاً إصلاحياً نزيهاً.
وبينما تُثار الانتقادات حول نظام الكوتا والتمثيل المكوناتي، يبقى التحدي الأكبر أمام العراقيين هو استعادة الثقة بصناديق الاقتراع باعتبارها السبيل الوحيد للتغيير السلمي، فالمقاطعة لا تُسقط الفاسدين، بل تمنحهم فرصةً جديدة للبقاء. أما المشاركة الواعية، فهي الخطوة الأولى نحو برلمان يعكس الإرادة الشعبية الحقيقية ويعيد الاعتبار للديمقراطية التي أنهكتها الصفقات السياسية طوال عقدين.
