الجلسة الأولى للبرلمان العراقي... نفوذ الفصائل يصطدم بالتوازن السياسي
أظهرت مسارات الجلسة الأولى للبرلمان العراقي، التي عُقدت يوم الاثنين الماضي، تغيّراً هيكلياً في موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية، مع بروز واضح لنفوذ نواب الفصائل المسلحة، ضمن تحالف "الإطار التنسيقي". وقد أثار هذا المشهد قلقاً مبكراً لدى عدة قوى سياسية، أبرزها القوى الكردية، التي اعتبرت ما جرى "مؤشراً خطيراً" على محاولات كسر الإرادات وفرض معادلة سياسية جديدة داخل البرلمان.
وبرز هذا التحول بشكل جلي خلال عملية انتخاب النائب الثاني لرئيس البرلمان، الذي هو من حصة الكرد، وفقاً لنهج المحاصصة المعمول به في العراق، حيث قدّم الحزب الديمقراطي الكردستاني شاخوان عبد الله، بوصفه المرشح المتوافق عليه كردياً، وضمن ما يعرف بالاستحقاقات الدستورية التي جرت العادة على احترامها في توزيع المناصب السيادية.
غير أن مجريات الجلسة حملت مفاجئة سياسية تمثلت بدعم المرشح ريبوار كريم، المحسوب على تيار الموقف الوطني الكردي، وقد حصل كريم على أصوات فاقت ما حصل عليه مرشح الحزب الديمقراطي، إلا أن تلك الأصوات لم تتخط عتبة النصف زائد واحداً لتأهيله للمنصب، ما تسبب بحالة ارتباك انتهت بتركها مفتوحة لليوم التالي، ومن ثم ترشيح فرهاد الأتروشي عن الحزب الديمقراطي الذي حظي بالمنصب، بعد تفاهمات جديدة وضغوط سياسية متبادلة.
وبحسب تقرير للعربي الجديد وتابعته "المطلع"، فإنه وفقاً لمصدر سياسي مطلع في بغداد، فإن "اتصالات مكثفة جرت عقب الجولة الأولى من التصويت على نواب رئيس البرلمان، بين زعامات كردية وقيادات بارزة ضمن الإطار التنسيقي، تضمنت تهديداً صريحاً من الديمقراطي الكردستاني بالانسحاب من العملية السياسية برمتها في حال عدم دعم مرشحهم للمنصب".
وأضاف المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن "الغضب الكردي لم يكن مرتبطاً فقط بخسارة جولة التصويت، بل بما اعتبر كسراً لإرادتهم السياسية وتجاوزاً من قبل نواب الفصائل، على ما يرونه الكرد حقاً دستورياً ثابتاً لهم، خاصة أن المنصب يعد من حصة المكون الكردي، وأن العرف السياسي كان يقضي بدعم بقية الكتل للمرشح المتوافق عليه كردياً، مثل ما حصل مع مرشح القوى السنية هيبت الحلبوسي الذي نال دعماً من جميع القوى، مكنه من الفوز بمنصب رئيس البرلمان من دون اعتراضات مؤثرة".
رسائل نفوذ أم اختبار إرادات؟
القوى الكردية قرأت موقف نواب الفصائل ودعمهم لمرشح غير متوافق عليه كردياً، بأنه "رسالة سياسية خطيرة" تعكس حجم النفوذ الذي باتت تمثله تلك القوى داخل البرلمان، ومحاولة واضحة لاختبار حدود الإرادات السياسية لبقية الشركاء، وربما كسرها عند الحاجة.
وكان الحزب الديمقراطي الكردستاني، قد لوح بعد فشل مرشحه شاخوان عبد الله بالحصول على المنصب، بالانسحاب من العملية السياسية، في خطوة عكست حجم القلق من المسار الذي قد يتجه إليه البرلمان في ضوء تلك المعطيات. وفي حينها، قال عضو وفد الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى بغداد، بنكين ريكاني، إن "الحزب قد يتخذ موقفاً قد يصل إلى احتمالية الانسحاب من العملية السياسية في حال عدم التوصل إلى نتائج مرضية بشأن الاستحقاقات الحالية، وأن التباين في وجهات النظر والخلافات السياسية، إلى جانب تشتت أصوات الأطراف المختلفة، عرقلت حسم منصب النائب الثاني لرئيس مجلس النواب".
وأضاف ريكاني أن "المشكلة تتجاوز الجوانب الإجرائية لتشمل أبعاداً سياسية وشخصية"، مؤكداً أن "عدم حسم المنصب سيؤثر بشكل مباشر في مسار تشكيل الحكومة الجديدة".
مرحلة تشريعية صعبة مع نفوذ الفصائل
من جهته، أبدى النائب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، ماجد شنكالي، قلقاً واضحاً من تلك المعطيات، ومن تأثير نواب الفصائل على عمل السلطة التشريعية. وقال شنكالي في تدوينة له على "إكس" إن "الجلسة الأولى لمجلس النواب أثبتت أن نواب الإطار التنسيقي وخاصة نواب الفصائل المسلحة هم من يتحكمون في المشهد البرلماني، وأن القادم تشريعياً سيكون صعباً على القوى الراغبة في نزع سلاح الفصائل وتحجيم الدور الخارجي الداعم لها". وأكد شنكالي أن "ما جرى في عملية انتخاب النائب الثاني لرئيس البرلمان رسالة واضحة للحزب الديمقراطي الكردستاني، حملت المضمون والمعنى نفسهما"، مستدركاً "لكن على هذه القوى المسلحة أن تدرك وتعي حقيقة ما ينتظرها من أزمات خارجية وداخلية في الأيام المقبلة".
مراقبون رأوا أن تلك المعطيات تعكس تحولاً في طبيعة الصراع داخل البرلمان. وقال الأكاديمي العراقي، رضا البدري، إن "القوى الأخرى ستجد صعوبة بالقبول بالأمر الواقع والتكيف مع نفوذ الفصائل داخل البرلمان، في وقت لا تمتلك فيه القدرة على كبح وتحجيم هذا النفوذ للفصائل داخل المؤسسة التشريعية"، مشدداً على أن "هناك قلقاً مبكراً لدى الكرد وحتى السنة من أن البرلمان سيتحول إلى أداة لفرض الإرادات بدل كونه ساحة للتوازن والتشريع، وأن ما طرحه الحزب الديمقراطي من التلويح بالانسحاب، وإن كان ورقة ضغط، لكنه خطوة تعكس صعوبة بناء تفاهمات وتوافقات سياسية داخل السلطة التشريعية مع بداية عملها". وشدد بالقول "نحن أمام مرحلة تحتاج إلى تفاهمات كبيرة بين القوى السياسية، لكن ما يبدو واضحاً للعيان وجود تقاطعات داخل البرلمان، وهشاشة التفاهمات بين المكونات، ما ينذر بتعقيد المسار التشريعي في المرحلة المقبلة".
يشار إلى أن الفصائل المسلحة كانت قد خاضت الانتخابات البرلمانية الأخيرة بقوائم عدة، بعضها منفصل وأخرى ضمن قوائم أخرى، وقد حازت على أكثر من 90 مقعداً برلمانياً، وتعمل حالياً ضمن تحالف "الإطار التنسيقي".
كلمات مفتاحية
- العراق
- الفصائل المسلحة العراقية
- البرلمان العراقي
- الاحزاب الكردية العراقية
- الاطار التنسيقي
- جلسة البرلمان الاولى
