سعدون محسن ضمد: على المثقف ان يكون انقلابيا
حاورته آية القيسي
"لا يصلح (المنتمي) ان يكون مثقفاً، ما جدوى المثقف إذا كان يقود نفسه والأخرين تجاه مصالح انتمائه؟".
بهذه العبارة يشرح الكاتب والإعلامي سعدون محسن ضمد ماهيَّة المثقّف ودوره، ويقول؛ ان "على المثقف ان يكون انقلابياً وهذه وجهة نظر، وهنا اقصد أن يكون قادراً على مغادرة انتمائه إن لزم الأمر. ومن يستفزه هذا الكلام فليعذرني".
وفي حوار لا تنقصه الجرأة مع وكالة المطلع، يأخذ سعدون قراء هذا الحوار بوداعته وتواضعه المعتادين، في جولة حول محطات حياته الغزيرة بالمعرفة والتجارب الثريّة، بدءاً من دراسته في الحوزة العلمية بمدينتي النجف ودمشق، وهي دراسة يؤكد تأثيرها الكبير على بناءه الفكري، ثمَّ رحلته مع التصوف، واسرار تجربته في الاعلام والأنثروبولوجيا، وليس انتهاء بكتبه ورواياته التي تتركز على موضوعات الحياة والوجود والوعي.
يبدأ سعدون رحلة الحوار بنبرة هادئة، وهي صفة ملازمة له في كل الاحيان ويعرفها كل من تعامل معه: "تعلّمت من كل تجاربي، وكان لمهنة الإعلام تأثيراً مهمّاً جداً، وكانت بداياتي بقناة الحريَّة محرّراً للأخبار، ثم قناة الحرة حيث عملت معدّاً للبرامج ومقدّماً لها. لكن قبل ذلك كنت اعمل بالصحافة والكتابة منذ سنة 2000. وكان الانطلاق من قناة الحرة مؤثراً بمسيرتي، حيث كانت هذه المؤسسة رصينة وكانت مدرسة في تعليم ضوابط الإعلام ومبادئه. واول ما تعلمته من هذه البيئة هو فن الأصغاء ثم السيطرة على المشاعر والانتماءات وتحييدهما".
وعن الجزء الأهم من مسيرة الإنسان وعن تجربة العيش على كوكبنا، ينظر ضمد الى الحياة كـ"عقوبة" لا يستحقها البشر، في نظرة تضرب صميم وجداننا الإنساني، يعلل ذلك، بالقول "ان الأعم الأغلب من البشر يولدون داخل ظروف معقَّدة من المصاعب والتحدّيات والاحزان ثمَّ يُقحمون بظروف ومعتركات لا يمتلكون القدرة الكافية على مواجهتها ثمّ ما أن يبدؤون التعلم واكتساب الخبرة من الحياة يأخذ الموت بالتقاطهم حيث أن الإنسان يبدأ رحلة التأهل بعد سن الأربعين لكن في هذا السن تبدأ رحلة انهيار الجسد، وهذه معادلة غير منصفة. وعلى كل حال لا يزال البشر غير قادرين على فهم الحياة واستيعابها، وهم بالمجمل كائنات غير مؤهلة لأن توضع بمختبر الحياة.. ربما، وبعد مئات السنين سيتمكن الانسان من فهم واستيعاب الحياة ومواجهتها اما الان فهي عقوبة لا نستحقها".
ويكمل سعدون قائلا "كل شيء عقوبة، فالإنسان يولد بظروف لا يُشرك باختيارها، بدأ من الوالدان وانتهاء بمكان وزمان وجوده على كوكب الأرض. متوسط عمر الإنسان بأحسن الأحوال هو ٨٠ عاماً وهذا عمر قليل نسبة لسرعة الإنسان في التعلم. الإنسان يُحرم من اختيار مكان وزمان ولادته، واختيار شكله، إذ الشكل مؤَهَّل وميزة، فقد يُخلق بعاهة يضطر إلى تحمل تكاليفها طوال حياته. كل هذه الامور عقوبة لأننا لم نختر أي شيء منها". وحول تجربته في الاعلام والسياسة، يسهب سعدون بالقول: "اضطرني الإعلام إلى العمل في البرامج السياسية، لكن كنت بمعية زملاء اعزاء نبحث عن أي فرصة لإثارة الأسئلة الثقافية، فشريحة المشاهدين فيها مستويات مختلفة من الوعي والثقافة وهي تستوعب اهتمامات متنوعة جدّاً. أمّا برنامج المراجعة فقد قدم لي الكثير سواء عبر حواراتي مع الضيوف أو أثناء استعدادي للحوار عبر الاطلاع على نتاجاتهم الادبية والفكرية، وهو اطّلاع كان يأخذ الكثير من الوقت والاهتمام.
بطاقة شخصية
ولد سعدون محسن ضمد في بغداد 1969، دخل معترك الفكر والسياسة مبكراً، حيث انضم الى تنظيم حزب الدعوة في المرحلة الإعدادية، ثم درس في الحوزة العلمية في النجف الأشرف. ثم اضطرته مضايقات النظام البائد لمغادرة العراق إلى سوريا مكملا دراسته الدينية، ثم عاد إلى العراق ليكمل دراسته الجامعية عام 2007 ويحصل شهادة الماجستير ثم الدكتوراه في الانثروبولجيا.
لسعدون قصة مع عالم التصوف، فقد عاش معه رحلة امدها 15 عاما، رافقت دراسته العلوم الدينية. أما الصحافة فقد انخرط بها مبكّراً، وعبر نشر الاعمدة الأسبوعية بمختلف الصحف، ثم بدأ رحلته مع التلفزيون مع قناة الحرية ثم الحرة، لينتهي به المطاف في قناة العراقية مقدما لبرنامج المحايد، وبرنامج المراجعة الذي يعد الأشهر من بين البرامج العراقية التي تناقش القضايا الفكرية والدينية. وللكاتب مجموعة من المؤلفات، منها "رواية حكاية الثلاث كلمات الساحرات" عام 2005، و"رواية مدونات الضمير أنا"، و"كتيب "أثر اللاشعور على اضطهاد المرأة في المجتمع الريفي العراقي" عام 2005، و"كتاب أوثان القديسين: جدل الوعي والحضارة والوجود" عام 2008، و"كتاب هتك الأسرار: تحولات فكرية في العلاقة بالدين والمقدس"، و"كتاب النحت على صخرة الموت".
س/ كيف اثرت تنشئة وبيئة سعدون العائلية على أفكاره وتوجهاته وشخصه؟
- هذا سؤال مفاجئ، وبالحديث عن "البيئة العائليَّة" فقد تحدثت عنها بمقدمة كتابي "اوثان القديسين" فظروف عائلتي كانت مُركّبة حالها حال اغلب العوائل العراقية حيث تكون مُمتّدة ومعقّدة بسبب اشتراك الأخوة وعوائلهم العيش داخل بيوت صغيرة، ما يخلق اكتظاظاً يسبب الكثير من المشاكل رغم أنه من جهة أخرى يخلق أجواء حميمة. أهم درس تعلمته في هذه البيئة هو درس الاختلاف، ففي عائلة كثيرة الافراد تختلف وجهات النظر ما منحني وبوقت مبكر القدرة على تفهم وجهات نظر المختلفين. فـ"الاخ يختلف مع الاب الذي يختلف مع الأم، كما أن الاخ يختلف أخوته ومع زوجة أبيه وهكذا بمعنى ان الطفل الموجود وسط بيئة معقّدة ومزدحمة بالآراء المختلفة يستطيع أن يفهم مبررات الاختلاف وينسجم معها".
س/ هل كنت مختلفاً؟
- انا تعلمت الاختلاف من هذه القصَّة، ثم بدأت اختلف طبعاً.. أنا من عائلة فلاحية قادمة من الريف الى المدينة ووالدين أميين، طالب مدرسة يؤثر عليه الأخ الاكبر وهو يُحاول ان يبني ثقافته. بدأت مسيرة القراءة ومعها بدأ التناقض ينشأ ما بين الافكار العالية وافكار البيئة المحافظة ثم بدأت رحلة التأسيس تتراكم بمرور الوقت.
س/كيف كانت رحلة ما قبل الجامعة، مم انطلقت؟
- هنا سندخل بأول مشكلة وهي أني لم ادخل الجامعة في السن المثالي، وتحدثت سابقاً عن هذا الموضوع لأنني بمرحلة الرابع اعدادي انتميت لتنظيم حزب الدعوة وكنت حينها طفلاً ولم ابلغ بعد، وفي احدى اللقاءات التلفزيونية قلت: أن هذا الانتماء يعبّر عن "غلطة ارتكبها حزب سياسي يفترض ألا يُقحم الأطفال بمشاريع سياسية تفوق تجاربهم وتسبق وتتحدى وعيهم وتسرق زمنهم. ما يضطرهم لمواجهة سلطة دكتاتورية تعاقب على الانتماء للأحزاب بعقوبة "الاعدام". وهذه "جريمة" لأنني كنت لا أُقدّر هذا الأمر.
- وبمرحلة الخامس اعدادي أُلقي القبض علي وحدثت الكثير من المشاكل من ضمنها العائلية ولم يعد الوضع وضع دراسة، ثم سافرت إلى سوريا وأكملت دراستي الدينية هناك، وهنا اريد التحدث عن التحولات التي حصلت قبل الجامعة، اولها كما قلت دخولي المبكر الى السياسة وانضمامي لتنظيم حزبي وهنا نحن نتحدث عن وعي مبكر تجاه قضايا سياسية ذات علاقة بمسؤولية الفرد عن مواجهة السلطة الدكتاتورية. نتج عن هذه التجربة المبكّرة إهمال الدراسة، ثم الالتحاق بالجيش وكان هذا الالتحاق بمثابة خيار للهروب من السلطة وملاحقات حزب البعث ثم بعد الجيش جاءت الحوزة العلمية والانتماء الديني وهي قصة اخرى، أدت الى تحول آخر وهو التحول الصوفي وكنتِ قد سألتني عن التحولات، فالتصوف قاد الىٰ تحول أخرى هو التحول الفكري. المهم بعد تغييرات 2003، عدت إلى العراق وأكملت دراستي عام 2007.
س/ من الحوزة الى الدراسة الاكاديمية، كيف خضت غمار التجربتين؟
- بالنسبة الىٰ الحوزة، وقد يثير كلامي حفيظة البعض، تتميز الدراسة فيها بانفلاتها من المعايير المنهجية لتقييم الدارس، فهي دراسة لها معايير وضوابط مختلفة وهذا طبيعي لأنها مؤسسة محافظة تسعى إلى الاحتفاظ بطابعها الخاص الذي يميّزها عن الدراسة الاكاديمية المألوفة، لكن علينا أن نؤشّر أن هذه الميزة تأتي على حساب الرصانة والانضباط غالباً، هذه الدراسة وربما لهذه الأسباب لم تكن موافقة لمزاجي، اضافة الى ان التحولات الصوفية تقاطعت معها فمن جهة لدينا الدراسة الدينية ومن جهة أخرى لدينا الرحلة الصوفية والصوفية غالباً ينظرون إلى الدراسة الفقهية باعتبارها واقفة على حد الظاهر ولا تفهم الدين كما تطرحه النبوة.
- اما بخصوص اختياري للأنثروبولوجيا بعد العودة من سوريا الى العراق فبسبب أن هذا القسم مفتوح حديثاً في العراق حتى انني تخرجت بالدفعة الثانية منه، وهو اختصاص مهم وواعد، وقد وصفتيه أنتِ بانه "دراسة الانسان" وبالتالي فهو الأقرب "لذائقة" الصوفي.
س/ لو عاد بك الزمن هل ستختار الأنثروبولوجيا ايضاً؟
-نعم بالتأكيد سأختاره للبكالوريوس والماجستير وحتى الدكتوراه لأنه مهم وضروري وواعد.
س/ يقول البعض ان النظرية الماركسية هي الاقرب لعلم الأنثروبولوجيا، كيف ينظر سعدون لهذه النظرية؟
- الماركسية اتجاه في الفلسفة أثَّر وتأثر بمختلف العلوم كعلم الاجتماع والنفس وغيرهما، وعندما تحولت الماركسية إلى أيديولوجيّا عمل المنتمون إليها على سحب العلوم إلى دائرة تأثيرها، وهذا طبيعي فالمنتمي لدين ما، يقرأ العلوم من بيئة هذا الدين وتأثيره، وكذلك المنتمي لأي أيديولوجيا أخرى. وانا ضد ان "تؤدلج" العلوم. ولذلك نحن نحرص في العلوم الاجتماعية على الفصل بين الأيدولوجيا وبين البحث العلمي. وانا اعتبر ان الأيديولوجي، وقد يكون هذا الكلام قاسيا، لا يصلح ان يكون باحثا ولا يصلح ان يكون إعلاميّاً محايداً، هو في البحث يكون قاصر النظر، وفي الإعلام يقدم رؤية حزبية. لماذا؟ لأنه موجَّه دائما بأفكاره المسبقة التي تتعارض مع شروط البحث العلمي ومع الإعلام المهني، لكن طبعا يمكن للآيديولوجي أن ينجح في المجالين إذا استطاع أن يفصل بين إيمانه وبين عمله.
س/ هل تأثر سعدون بالمدارس والتخصصات الغربية؟
- هنا وللأسف الشديد فان معظم اختصاصاتنا العلمية مؤسسة في الجامعات الغربية ونحن نحاول بجهود كثيرة ان نمنح هذه الاختصاصات هوية محلية تناسب مشاكلنا ولكن هذا الأمر ليس سهلاً، ويحتاج عقليات تأسيسية تتمتع بالاستقلال والابتكار. لذلك نحن نعاني في عمليات البحث، وانا شخصياً اعاني من مشكلة ان ثياب الاختصاصات العلمية مفصّلة وفق الجسد الثقافي التاريخي الديني الغربي ويراد منّا أن نلبسها على اجسادنا التي تختلف ثقافيا وتاريخيا ودينياً.
س/ اذا كانت النظريات الغربية مصممة ومناسبة للغرب، هل تصلح لمجتمعاتنا؟
- عندما نريد ان نطبقها سيصعب علينا الأمر وسأستشهد لكِ بمثال سياسي، تأسست الديمقراطية تأسيسا بريطانيا فرنسيا وفق مزاج وتحول تاريخي خاص. ولذلك عندما أردنا تطبيقها في بيئتنا المختلفة لم ننجح. والحكم نفسه ينطبق على عملية التنوير. والمطلوب هنا ان يؤسس شيء داخل إطار ثقافتنا وبيئتنا العربية الإسلامية.
س/ ركزت في اطروحاتك على الانسان وسلوكياته بشكل عام، والانسان كائن متجدد هل من المعقول ان يُحلل ويُدرس كائن متجدد؟
- لهذا السبب نعاني كباحثين في العلوم الانسانية او الاجتماعية، من عقدة أن العلوم الصرفة لا تتعامل معنا باعتبارنا علماء، لأننا ندرس كائن متغير، كائن غير قابل للاختبار ولذلك العلوم التي تدرسه لم تستطع ان تؤسس لنظريات وقوانين. لكن هذا لا يعني ان ما نقدمه من دون جدوى أو ليس علمياً، فنحن نعمل تحت مفهوم مغاير للعلم ونقدم نتائج لا تستطيع الحضارة البشرية ان تتطور من دونها وهي لا تقل أهمية عن الدراسات التي تقدمها العلوم الطبيعية.
س/ لو كانت هناك فرصة ليضع سعدون بها نظرية واحدة تتأثر بها مجموعة من الافراد في المجتمع او تأخذها نهجاً لها، ماذا ستكون هذه النظرية؟
- في واقعنا العربي او الشرق اوسطي، لاتزال الشخصية الاكاديمية لا تمتلك جرأة التأسيس، لا زلنا نخاف من الباحث الغربي والى الان نفترض او لدينا فكرة مطمورة في العقل اللاواعي بأن التأسيس يجب ان يكون غربياً، لذلك لايزال تأسيسنا خائفاً ومرتبكاً مع العلم اننا نمتلك شخصيات عربية او شرق اوسطية استطاعت ان تؤسس، لكن لايزال التأسيس لا يرقى الى مستوى المشاكل التي تعاني منها مجتمعاتنا. فهذه المجتمعات اشبه بالمرجل وهي دائمة التحول والتقلّب بالتالي هي بيئة مناسبة للطرح النظري التأسيسي.
س/ لو درسنا المجتمع العربي، ما خصوصياته البحثية، وما أبرز اشكاليته التي تحتاج الدراسة والبحث؟
- لدينا ثورات، وانتفاضات، لدينا دول استبدادية، لدينا دول ليست دولاً، مجتمعات ليست مجتمعات، لدينا مجتمعات مختلطة، هي ليست بمجتمعات مدنية ولا متدينة ولا هي مجتمعات ريفية، لدينا مرجل يُفترض على علماء الانسانيات ان يدرسونه، لكن المشكلة هي ان دراستنا لاتزال خجولة، وبالعودة الى موضوع التأسيس، كما تعرفين ان مرحلة الدكتوراه تمثل دراسة في فلسفة التخصص ولذلك يجب أن تكون دراسة تأسيسية، وقد حاولت من جهتي، إلى الدعوة لتأسيس اتجاه بحثي، اسميته "أنثروبولوجيا الوعي" يحاول أن يفكك بين الثقافة وبين الوعي الذي انتجها، وهذه بوابة مناسبة للدخول إلى طرح نظري يناسب مجتمعاتنا أو يجمع بين التنظير الغربي وبين خصوصيات مجتمعاتنا، ونحن نعرف بأن الخصوصيات يفرضها الوعي، فهو بيئة الاختلاف ورحمه الأول، وعبر تقديم فهم انثروبولوجي للوعي وآلياته وغاياته، نستطيع أن نفهم اختلافنا ونبحث فيما يناسب هذا الاختلاف. مع الأخذ بنظر الاعتبار أن التأسيس رحلة لا يستطيع النهوض بها جهد فدري، بل يجب أن تشترك فيها جهود كثيرة مدعومة بالمؤسسات الاكاديمية.
س/ "قراءة انثروبولوجية في شِعر النعي لنساء جنوب العراق".. لم اخترت حزن الجنوبيات عنوان لرسالتك في الماجستير؟
- نعم، هذه واحدة من ثيمات الأنثروبولوجيا الاساسية وهي "انسانية الانسان" كما تعرفين الانسان يتوقف عند الموت طويلاً ونحن كأصحاب اختصاص من الضروري ان نكشف عن هذا التوقف الطويل، وانا من حسن حظي التفتُّ الىٰ شِعر النعي بتوقيت حرج، وهو التوقيت الذي بدأ فيه تأثير الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي حيث تضيع وتندثر الخصوصيات الثقافية، وتحت هذا الظرف وجدت ان هناك شعراً يتم تناقله شفاهياً ولا يُكتب لان كبيرات السِن هن اللواتي يُرددنه ولا يكتبنه، فتأكدت ان هذا الشعر في طريقه الى الاندثار، وانا قلتها واقولها الآن، بعد محاولات كثيرة استمرت لعامين استطعت خلالها ان اجمع فقط "٣٠٠" عينة من هذا الشِعر وبالتأكيد يوجد اكثر من هذا العدد لكن يحتاج إلى جهود مضنية لجمعه. فكانت فرصة لدراسة نوع من الإبداع ينتجه الإنسان في خضم صدمة الموت؟ وكانت المفاجأة ان الذي يكتب هذا النوع من الابداع هو شخص "أُمي" موضوع في هامش الثقافة، لكنه استطاع ان يكتب لون إبداعي مدهش ومحيّر، وهذه هي ميزة الانثروبولوجيا ان تصعد بالهامش الى المتن، وعندما قارنت بين مستوى شِعر النعي ومستوى بقية فنون الشعر المكتوب باللهجة الدارجة، وجدت ان هناك تقارب كبير بالمستوى الإبداعي.
- وانا كباحث انثروبولوجي اثارني أن المرأة المهمشة تتمكن من استثمار فرصة ضئيلة جداً للابداع في انتاج نمط شعري عميق ومعبّر ودقيق في انتقائه للصور الشعرية وتوجيه متن الخطاب إلى غايات اجتماعية تهم المرأة وتكشف معاناتها. والشعر الذي نتحدث عنه يعود الىٰ بداية عشرينيات القرن الماضي، وكاتباته نحتن فعلاً على صخرة الموت معاناتهن والقهر الذي تعرضن له. اخترن ظرف الموت الذي لا يزاحمهن الرجال فيه، واشتغلن بحرية.
س/ هل أثَّرت بك الوالدة ببعض نعيها؟
- دعيني اتحدث لكِ كيف كانت الوالدة تُجلدني يومياً بفترة ما بعد الصباح وقبل الظهيرة. ففي ظروف الحروب العراقية العبثية، التحق أخي الأكبر بالجيش، وعندها بدأت امي تنعي غيابه عنها، كنت حينها طفل وبالكاد أفهم ما تَقول خاصَّة وأن ما تقوله يكون مفعما بحزن طاغ ومؤلم، وكنت أشرب من كأس هذا الحزن بشكل شبه يومي، إذاً حضور النعي بدأ من تلك اللحظة الطفولية ومنذ ذلك الوقت تعرفت على مواطن السلطة التي تمارسها المرأة على الثقافة وتفرض شخصيتها عليها وعلينا. اما ما أحفظه عن ظهر قلب فأنا احفظ كثيراً من مقاطع النعي مثلاً هذا المقطع الذي تتحدث فيه المرأة عن اخيها:
"يُمة الولد شنريد منَّه؟ نريد البَشوش الضَحك سنَّه نگعد ابيته بغير مِنَّة".
هذا تأسيس! هي هنا تعلّم الأخ كيف يكون "بشوشاً معها عندما تحتاج إليه، وكيف يستقبلها من دون منّة عندما تكون في بيته. لماذا؟ لأنها لا تمتلك ضمانات. وفي مثال آخر تقول:
«بيت الْوِلِي مْخَدْرين چْاي(1).. وبْراسْ قوريهم(2) دِواي.. وسَلَّمِت ماﮔالو تَعاي».
(1) مخدرين چاي = يُعِدّون الشاي
(2) القوري هو ابريق الشاي
س/ ماذا عن رحلة التصوف، كيف بدأتها؟
- رحلة التصوف سبقت التخصص بالأنثروبولوجيا، وهنا سنعود الىٰ هاجس الحقيقة الذي يشغل أي باحث، وعندما يُدرك هذا الباحث انه لا يستطيع ان يجد الحقيقة او يفهم حقائق الاشياء، سينصدم كثيراً ويبدأ بمحاولات البحث عن السبيل الذي يمكنه من الوصل لب الأشياء، وبما أن بدايتي المبكّرة كانت "دينية" فمن الطبيعي أن أسلك طريق الدين في البحث. واول ما تعلمته من الثقافة الصوفية هو الفصل بين جمود الفقه وبين مرونة التأويل الصوفي فالفقهاء علماء، ولهم ظاهر الأشياء، بينما الصوفية شعراء وينزلون لأعماق المعنى. ولأنني ابحث عن العمق كان علي ان اسلك طريق الصوفية.
- وبدأت برحلة لها ذوقها الخاص الذي لا يشبه أي شيء آخر كنت قد تعلمته من الدين ومن هناك بدأت رحلة في مدارج التصوف أوصلتني لتجارب ذاتية معنوية غاية بالعمق والأهمية على الصعيد الشخصي، لكن وبعد التحقق في الدرجات المعنوية المختلفة وقفت، حيث وقف الكثيرون قبلي، بموقف تُستهلك فيه جميع المعارف وتنهار عنده كل الحقائق، وهو موقف المدهوش الحائر أمام تجليات معنوية ثقيلة جداً. لكنها تجليات ذاتية وليست موضوعية بحسب تقييمي النهائي، وهي تكشف بان البحث في المعنى بطرق موضوعية غير ممكن وبطرق ذاتية غير مجد. وتأكدت حينها، للأسف ان الانسان يبقى انسان ولا يمكن ان يصل الى الحقائق سوءا أكان صوفيا أم فقيها أم عالماً.
س/ عن اي حقيقة يبحث سعدون؟
- في ذلك الوقت كنت ابحث عن حقيقة "الله" بهدف التعرف عليه، وعندما وجدت الفقهاء يقولون ان الله لا يُعرف! ذهبت الى الصوفيين فهم يحبون الله ولا يعقل أن الإنسان يحب ما لا يعرفه، لكن وجدت ان المعرفة التي يتحدثون عنها هي معرفة وجدانية إحساسية شعورية. الاحساس شعور ولا يمكن التعامل معه على انه "معرفة"، وهنا واجهت خيبة امل كبيرة. طبعا انا ممتن جداً لرحلتي في الدراسة الدينية وكذلك لتجربة التصوف، والحمد الله انني خرجت من الاثنين بسلام بدون الانحياز فكرياً لواحدة منهن.
س/ يعرف عن المتصوفين بشكل عام مناجاتهم المستمرة مع الاله ليلاً ونهاراً، هنا اود ان اتعرف مناجاة سعدون برحلة التصوف؟
- (انا اشكرك على هذا السؤال لأنه سيمنحني فرصة توضيح ما قلته عن التصوف، وبما يبنيه التصوف عند الانسان). واضافة الى ما قلته عن التصوف وهنا اقصد بقولي انني لم اجد الحقيقة في التصوف، لكن التصوف منحني ذائقة مهمة كما يمنحها لبقية المتصوفين وهي ذائقة "الاحساس" او ذائقة الشعور، والتصوف يُرهف حس الصوفي، بمعنى اضطرار الصوفي بالبحث عن نداء الله او حقيقته في الموجودات ويبحث عنه في كل شيء وهذا يجعله مرهف الحس ويؤهله لمختلف انواع التلقي، فهو فعلاً يتعلم في مدرسة الحياة، اي انه يتعلم من كل ما حوله من الانسان من الجماد من الطبيعة وغيرها. من هنا يبدأ الحب ومن هنا ايضاً تتم معالجة اكبر التشوهات الدينية بحق الله. حيث يُعامل وكأنه شرطي أو رقيب أو قاض أو أب قاس، اما الصوفي فيبدأ بالتقرب من أله آخر أله قريب متعاطف، متسامح، لا يتوقف عن الاخطاء لانه هو من خلق الاخطاء والاخطاء مدرسة وجدت كي يتعلم منها الانسان. وبعد التخلص من هذه المرحلة سنصل على مرحلة الثقة بالله وعندما تتأسس هذه الثقة سنصل الى علاقة مع الله غير تقليدية وستوصلنا دائماً الى الجدوى والهدف من وجود الألوهية مع البشرية.
س/ هل تمارس التأمل الصوفي اليوم؟
- نعم، وجه لي سؤال من أحد الاصدقاء يقول به "سعدون لماذا تركت التصوف؟"، فأجبته باستغراب، وقلت ان ما تركته هو ادعاء الصوفية بمعرفة الحقيقة ولكني لم اترك التصوف، وعندما اكتشفت انهم لا يمتلكون الحقيقة اذن لازلت الحقيقة طريدة بالنسبة لي، ويجب ان استمر بملاحقتها، ربما ستتم ملاحقتها بأسلوب فلسفي او أكاديمي، وتخصصي بدراسة الوعي هو نحو من انحاء البحث لماذا نحن كبشر غير مؤهلين لمعرفة الحقيقة؟ وكيف يمكن ان نسقل منظومة الوعي كي تكون أقرب الى الحقيقة؟
س/ اذن لم تجد الحقيقة الى الان لا بالتصوف ولا بغيره؟
-لا يجد الحقيقة الانسان لا بالعلم ولا بالدين ولا بالتصوف لأنه غير مهيئ لمعرفة الحقيقة.
